رابعة ذلك الجرح النازف باستمرار، ولن يتوقف النزيف قبل أن يُقتص لضحاياها، سواء أكانوا شهداء أو جرحى أو معاقين أو معتقلين أو مطاردين، هذه الديباجة – على الرغم من حقيقتها – أصبحت ضرورية كلما أردت أن تتحدث عن رابعة، لا بد لك أولًا أن تقدم فروض التعاطف والتأييد قبل أن تتفوه بكلمة تعليق، أو نقد لما حدث في رابعة؛ لأنك لو لم تقدم هذه الديباجة فأنت تجلد المظلومين، وتقهر المعتقلين، وتترك الجلاد حرًاً طليًاً! هذا السيف المسلط على رقابنا كلما اقتربنا من التحدث عن الأمر.

«الطريقة الكربلائية» لن تفيد ولن تُرجع حقاً، لا بد لنا أن نُعيد التفكير في رابعة، وما حدث فيها، لماذا وصلنا لهذه الحالة? لماذا لم يفكر المسئولون عن هذا الاعتصام في احتمالية فضه بالقوة? وكيف سيواجهون ذلك? لماذا عندما استعر القتل لم يُؤمر الناس بالانسحاب? وكانوا سيستجيبون كعادة الإخوان، نتذمر قليلًا على القرار، ثم نوافق؛ لأنها شورى ربانية من قيادات تعلم وتفهم! نُعيد التفكير لنستخلص العبر، نُعيد التفكير للمحاسبة والمعاقبة وإقصاء المقصرين، ويكفيهم ما جنته أيديهم ببلادهم ودعوتهم وإخوانهم .

ولا داعي لأن يخرج علىّ أحدهم شاهرًا سيفه بأنهم معتقلون، ويكفيهم ما هم فيه، وهناك منهم من ضحى بولده أو أخيه أو زوجه أو ماله، اعلم أيها الفارس أنك تشهر سيفك في المعركة الخطأ، فليس كلهم معتقلين، ولا كلهم مضحين، هناك منهم من هو يعيش حرًا طليقًا في أروقة الدوحة، وفنادق إسطنبول، وقصور لندن، و«كومبوندات» جوهانسبرج .

المعتقلون من القيادات ندعو الله لهم بالفك والعون، أما غيرهم فلا بد أن نضعهم أمام مصائبهم، هناك منهم الذي لم يستح حتى الآن، ومازال يدافع وينافح لا تعلم عن أي شيء، اللهم إلا الحفاظ على مكتسباته أو الدفاع عن غير علم، وهذا ما ألفينا عليه آبائنا، كثير منهم يجب ألا يُسمعنا صوته، ولا يصم أذاننا بنعيقه في قنواتهم، بل يجب عليه أن يعتكف في بيته؛ ليراجع نفسه، ويعيد حساباته، ويكفينا منه ما جنت يداه.

ولماذا أصلًا تضطرونا أن نحاسبكم على رابعة? الحق أننا يجب أن نحاسبكم أشد الحساب علي ما أوصلنا لرابعة، فترة «الدكتور مرسي»، وما بها من أخطاء، فلا خطط موجودة، ولا برنامج مدروسة، ولا قدرة على مواجهة المؤامرات، كفاءة أي مسئول سياسي تعتمد بشكل ما على قدرته على مواجهة العقبات، والمؤامرات، والخروج منها منتصرًا أو على الأقل غير منهزم، ومن كان يظن أنه سيقود سفينة بلد محوري كمصر، دون أن يُكاد ويُدبر له، فليذهب إلى بيته، وليترك الدفة لغيره.

وليس فترة الدكتور مرسي فقط، بل الفترة الممتدة منذ تنحي «مبارك»، وحتى انتخاب الدكتور مرسى، فترة تحتاج لمراجعات كثيرة، واعتذرات كبيرة، وقرارات حاسمة، ناتجة عن استفادة من المراجعة، الحزب نفسه وطريقة إدارته، واختيار قياداته، وقراراته، تحتاج لإعادة نظر، ولا داعي لأن تقول إن التجربة لم تأخذ وقتها، وقصفت باكرًا، هذه صحيح جزئيًا، لكن كان هناك أخطاء لا علاقة لها بالخبرة أو الممارسة، بل هي أقرب للبدهيات، فأية مؤسسة عند تأسيسها تضع قواعد لاختيار مسئوليها، ومع الاستمرار والخبرة تتحسن هذه الشروط وتتطور، ولكن في حالتنا ما كانت توجد هذه الشروط، فضلًاً عن أن تتطور.

الاسترسال في هذه الأمور لن ينتهي، وكما يقولون: في الفم كثير من الماء، ولكن حتى لا نُتهم بأننا من مجاهدي الـ«فيسبوك»، أو راغبي الشهرة، أو الذين يتكلمون بلا عمل، وحتى لا يخرج علينا أحدهم بكلامه الذي يلوكه بعضهم بطريقة مستفزة عن ماذا فعلت أنت? أو أعطني مقترحات، من باب إنما الإسلام دين العاملين، سأقول لك يا عزيزي ما الحل من وجهة نظري القاصرة؛ لنخرج من النظرة الكربلائية التي لن توصلنا لشيء.

يجب أولًا التخلص من كل قيادات هذه المرحلة، جميعهم من كل الأطراف، وإعادة البناء «على نظيف!» يجب أن نتواصل مع كل شركاء الوطن، وأن ندخل معهم حوارًا بلا شروط مسبقة، اللهم إلا إطلاق الحرية، وفك قيد المعتقلين، وعودة المطاردين، وحق الشهداء، وأهلهم، ودماء المصريين كلها حرام، تبدأ هذه الحوارات في الخارج، وبين الشباب في كل الأماكن، بل يجب أن يتم الأمر في السجون، وداخل أقفاص الحجز، وعربات الترحيل، أعلم أن الأمر ليس بالسهل، ولكن النتيجة النهائية تستحق المغامرة والتضحية، تجب مراجعة كل أدبيات الإخوان، وإعادة النظر إلى الأسس التي بثها «الشيخ البنا»، قراءة من أجل إعادة التأسيس، قراءة نقدية حقيقية، يُستعان بذوي الخبرة والفكر والعقل، حتى ولو كانوا من غير الإخوان.

من أهم الأمور التي يجب إعادة مراجعتها «فصل الممارسة الدعوية عن السياسية»، التفرغ للعمل التربوي والدعوي، وترك المنافسة السياسية والكراسي لغير الجماعة؛ لكي لا  تتحول المنافسة على الحكم من استراتيجية كانت جيدة في ظروف ما، إلى هدف وغاية في حد ذاته، التركيز في العمل مع المجتمع وغرس قيم العلم والانتماء وحب الوطن والحرية والكرامة والعدل، هذا الميدان يحتاج لجهد كبير، وهو ميدان البناء الحقيقي، وأي فرد من أفراد الجماعة أراد السياسة، ورأى نفسه مؤهلًا لها؛ فليشترك مع من شاء، يكونوا حزبًا ما، أو يشترك في حزب موجود وفاعل، معتقدًا أنه يتلاءم مع ما يؤمن به، لا داعي للحجر على العقول، وإلزام الأفراد بالانتماء الحزبي، «الإخوان» كانت تجيد ميدان التربية والدعوة، لكن عندنا تحولت السياسة إلى غاية بذاتها للتنظيم، ضاعت التربية والدعوة، وفُقدت السياسة.

الشباب هو عماد أي مجتمع أو تنظيم، فيجب علي شباب الإخوان أن يعتمدوا علي ذواتهم في ظل هذا التناحر بين القيادات، ينمون أنفسهم في مجالالتهم التخصصية والعلمية، التركيز على دراسة العلوم الإنسانية، مثل علم النفس، والاجتماع، والفلسفة، والاقتصاد، والسياسة، فمن يتطلع للقيادة يجب عليه أن يفهم طباع البشر والجماهير.

جهز نفسك؛ فأنت أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إذا كنت ترغب في العمل داخل تنظيم، فإما أن يُستبدل بهذا التنظيم وهذه الفكرة فكرة وتنظيم أفضل وأوعى وأقدر، وعندها انقل بوصلتك، وعندما تكون ذا قدرات ستُفيد في هذا الجديد، وتكون إضافة، ولا تتحول مرة أخرى لمجرد تابع، هذا خيار، أما الثاني أن تُفتح مسالك التغيير والتطوير داخل هذا التنظيم وهذه الفكرة، ووقتها يجب أن تكون مستعدًا، ولديك ما تضيفه وتصنع به نقلة؛ لتكون مرحلة تأسيس ثالثة، وأن لا تترك مجالًا للمنتفعين والمتسلقين الذين سيظهرون مرة أخرى، ويقولون لك كأن لم تكن بينكم وبينه مودة.

الكلام المنمق والعاطفي والكربلائي عن «رابعة» هو كلام للتخدير، ودغدغة المشاعر لا أكثر، أما الكلام المؤلم الجالد للذات، فهو الحل؛ للتعلم من الدرس، والخروج من هذه الهوة العميقة الكالحة السواد، وهو طريق إخراج المعتقلين وإرجاع حق الشهداء، وعودة بلادنا لطريق «ثورة يناير» طريق الحرية والكرامة والعدالة الإنسانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رابعة
عرض التعليقات
تحميل المزيد