توقفت كثيرًا هذه المرة أمام تلك المشاعر المتشابكة داخلي، ربما الصراع مع قلمي الذي صار عصيًا معلنًا إفلاسه وحيرته في نقل مشاعر الألم والحزن أم عدم الرضا والخيبة من أنماط إدارة المعارضة، وفي القلب منهم الحركة الإسلامية لآليات الصراع ومحاولة تجميع الجماهير، ربما كنا قبل نتبارى في هذا التوقيت في وصف الأحزان ونشر الصور والتحقيقات في كربلائية حزينة ووصف لمظلومية كانت حدًا فاصلًا وتأريخًا لمحاولات الشعب في استرداد حريته، نعم مذبحة رابعة تأريخ لتضحيات الشعب في سبيل نيل كرامته، إلا أننا اليوم وبعد أن صرنا أكثر نضجًا نستطيع أن نبتعد لخطوات من حالة التشيٌع التي نعيشها كل عام لنكون أكثر صراحة مع أنفسنا، ونحاول معرفة ماذا قدمنا وأين نحن بعد ستة أعوام من المذبحة التي نقلت الصراع من دائرة السياسة إلى صراع يراه أصحابه فاصلًا بين الحق والباطل. وكانت إيذانًا لاستباحة الدم العربي في معظم الأقطار من سلطاته المركزية.

لست بصدد الحديث عن إثبات أن رابعة كانت مذبحة القرن، ولست بصدد البحث داخل المعجم لأجد تراكيب توافق قدرات حنجرتي في الحديث عن الألم وعن جرائم ارتكبت في هذا اليوم، هذا لن يحقق تقدمًا، لقد تجاوزت الأحداث كل هذا، حيث انتقل الصراع إلى مربع آخر فيه نظام غير قادر على إثبات مشروعيته بسبب هذه الجريمة، وبين شعب انتزعت قدراته وتم تفريغ عقله الجمعي من القدرة على النهوض والتعبير عن آرائه. أيضًا لست مطالبًا مع غيري بإثبات أن الإسلاميين أكثر من قدم من تضحيات لهذا الوطن، هذا ثابت لا يمكن الاختلاف عليه، رغم أننا في مواقع أرى ضرورة الالتئام واجب الوطن، لكن يجب الإشارة إلى أن المجموع الجمعي لتضحيات الإسلاميين أكبر من سلبيات وأخطاء فترة إدارة الحكم. لنخرج من دائرة الكربلائية إلى محاولة استنهاض الجماهير التي استسلمت للأوضاع بعد أن تلقت أكبر صدمة في تاريخها.

الشاهد في هذه الذكرى هو حجم التفاعل الكبير مع ذكرى المذبحة المناهضين للانقلاب العسكري في مصر يلازمه حالة من السخط العام من أداء المعارضة في الخارج، وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين، حتى لا نستهلك طاقاتنا في جلد الذات والحديث عن الأخطاء الإدارية لأحداث رابعة وما بعدها، وحتى لا تنسحب حالة الحراك الفكري الموجودة للانخراط في توجيه اللوم للضحية مع الجاني، أحاول أن أثبت المفاهيم من أجل عمل منصة يمكن الانطلاق منها، ليس هناك ضحية، بل هناك رجال ضحوا من أجل حريتهم لم يوافقهم تقدير القيادات الميدانية في إدراك حجم المخاطر أو تصور حجم الإجرام الذي يمكن، لا أحد كان يتصور أن أبناء الشعب يوجهون آلياتهم لصدور إخوانهم بهذا الفجر، تجاوزي لعدم إطلاق كلمة الضحية؛ لأننا نريد أن نخرج من دائرة الحزن، وأن نكون جبهة حقيقه للمعارضة تكون أكثر ديناميكية في التعامل مع الأحداث من أولئك الشباب الذين أنضجتهم المحنة، لا يشارك فيها أحد ممن كانوا جزءًا من الأحداث، سواء كانوا في النظام أو المعارضة (ربما يكتفون بالمواقع الاستشارية).

الحركة الإسلامية وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين، ليست فقط مطالبة بتقديم رؤية لحلحلة الواقع، وإنما مطالبة بإعادة التموضع، واعتماد المراجعات وفقًا للتغيرات الإقليمية والدولية بعد أن اتخذت المنهج الإصلاحي طريقًا لها للتغيير، المراجعات العلمية التي تؤسس لا لقيادة المعارضة والجماهير وإنما تؤسس لإعادة الالتحام مع الشعب والبناء معه بعد أن تلقت أقسي ضربة موجعة لها عبر تاريخها. تلك الدراسات لابد أن يعمل عليها المتخصصون والأكاديميون من علماء الاجتماع والنفس والفلسفة، ثم تدعو الحركة إلى مؤتمر جامع تدعو فيه كل الأطراف السياسية مع مختلف توجهاتها وأطيافها، تقدم فيه شبابها وقياداتها الجديدة لإدارة الصراع السياسي في المرحلة القادمة، تتنازل في هذا المؤتمر عن شارة الكابتن التي اعتادت ارتداءها، وتقوم بتشكيل كيان جديد يجمع الجميع من أجل ملء الفراغات والمساحات، هذا لن يتحقق إلا إذا نجحت الحركة الإسلامية في إعادة بناء مؤسساتها في الخارج، ومع تقديم تقييم منهجي موضوعي لإدارة الملفات الحقوقية السياسية والإعلامية، عملًا احترافيًا لتقييم الفترة الماضية، وأريد أن أرفع الحرج هنا بأنه لا حرج أن تخرج قيادات الحركة بكل فصائلها للحديث عن أخطاء الماضي، فالجماهير تريد مصارحة وشفافية تنطلق من خلالها قبل تقديم مشروعهم المستقبلي، ربما النجاحات الجزئية في البلدان المجاورة تونس والسودان والجزائر ربما دافعًا حقيقيًا الآن لاستعادة روح الجماهير، ومحاولة إعادة إنتاج حالة الحراك داخل المجتمع.

عزاؤنا أن هُزمنا في معركتنا الأولى بشرف، خُلعنا ولم ننخلع، وأننا النقطة الوحيدة المضيئة التي قد يجاب بها حين يسأل الأحفاد: وأين كنتم؟ وهل كان هناك رجال؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد