هذه محاولة للحديث عن رواية «طيور الهوليداي إن» للمؤلف ربيع جابر.

ظللت ثلاثة أيام بعد الانتهاء من «طيور الهوليداي إن» لا تفارقني شخصيات الرواية، فبينما أعد الشاي أو أغسل الأطباق أتذكر «ريمون زخور» والناطورة و «آل عازار» وأتصور أنه يجب عليّ الانتهاء سريعا من كل شيء لأعود إلى حكاياتهم في «المبرومة» الواقعة في منطقة الأشرفية ببيروت.

(١)

في البدء كان الحكي هو كل شيء، أندهش كثيرا من قدرة ربيع جابر على الحكي، الحكي بلا حساب، الحكي المتدفق الغزير والمتنوع، السادر في مفاجآته وأحيانا في رتابته، أتساءل كيف عثر على كل هذه الكنوز وأين كانت مخبأة، أتساءل إن كان توجب على ربيع جابر أن يحشد كل هذه الحكايات في رواية واحدة كأنها نهاية الدنيا،في المبرومة ثماني عشرة عائلة وهذا هو عدد حكاياتنا الرئيسية والتي تتفرع بعد ذلك لحكايات تذهلك تفاصيلها أحيانا.

غزارة الحكايات ستوقعك في التيه أولا فلا تعود تدري من «ملحم صعب» هذا ولا أي طابق يسكن ولا ماذا يعمل «غسان زيدان» ولا إن كانت «لينا» هذه بنت «أم جان» نفسها أم لا، ستفكر كثيرا إن كان عليك إعادة القراءة أم أن الأمور ستتضح في النهاية.

ستتضح الأمور في النهاية كما قطع البازل التي تثير حيرتك وأنت ترتبها بذهن مشوش حتى تنتهي فجأة لتجد البناء كاملا أمامك تستطيع أن تتذكر كل قطعة فيه أين كانت ولماذا.

(2)

روائي أم مصور غوتوغرافي؟!

في هذه الرواية يبدو «ربيع جابر» كمصور أكثر منه كروائي، هو هنا يبالغ في نقل نصوص بأكملها من محاضر شرطة وصحف محلية وكتب قديمة ورسائل واعترافات وحتى وصفات دواء لدرجة أنك تضطر للقفز أحيانا فوق كل ذلك حتى تستمر.

أيضا في سرده للتفاصيل؛ وصفه للمشهد وترتيب محتوياته وحركة الأفراد داخله وملابسهم وإيماءاتهم وتفاصيل وجوههم  والأصوات التي تقع في خلفيته والروائح المنبعثة منه كأنها سيناريو سينيمائي يعده المؤلف للتصوير.

في كل ذلك يبدو ربيع جابر كمصور لأنه يعطي الأولوية للصورة كأنها كافية بحد ذاتها، كأنه يؤمن أن جمالها وعمقها لا يحتاج إلى إضافة أو تعليق منه يفلسفها ويعقدها بلا داعي، يتوارى إذن هاهنا صوت الراوي وتختفي حكمته ورؤيته من أعلى فعلى مدار الرواية لن تستطيع اقتباس أكثر من جملتين يصلحان كمنشور مثلا على فيسبوك.

(3)

لبنان

كانت لبنان تعني فيروز فصارت تعني عالما كاملا نبهنا إلى وجوده ربيع جابر، هاهنا لبنان الجريح المكسور بحرب أهلية متوحشة تسحق ناسه ليل نهار بلا بصيص من أمل وبلا ذرة من عقل، لم يبالغ المؤلف في طريقة سرده لتفاصيل الحرب لكنه اكتفى بنقل الواقع كما حدث من البيانات الإذاعية والأخبار الصحفية ومحاضر الشرطة، والغريب أن هذا كان مفجعا للغاية مما يؤكد أن قسوة الواقع تفوق أحيانا كل خيال.

لبنان هنا – كما كل روايات ربيع جابر – حاضرة بكل تفاصيلها وثقافتها ومآسيها وبالرغم من ذلك فهي منفتحة على غيرها بحيث أن كل شخص أيا كانت جنسيته يستطيع النفاذ لروح الرواية والاستمتاع بها، فمن الإغراق في المحلية يحلق ربيع جابر نحو العالمية بطريقة غامضة خفية لا تكاد تُحس.

(4)

في النهاية ليس ثمة نهايات، لا تتوقف الحرب ولا ينتهي الخوف ولا تعود الحياة أبدا كما كانت، في النهاية تتعفن جثة الناطورة في خزان الماء ويعاني سكان المبرومة من الرائحة الكريهة وانسداد البالوعات لكنهم أبدا لا يفكرون في فتح باب السطح ولا الكشف عن الخزان كأنما كتب علينا أن نظل عميانا جهلة حتى الموت.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد