أيتها الإنسانية الممتدة على بساط الفكر العالمي، أيتها الحروف المعلقة على قناديل النور، أيتها القصائد الممتدة من أقاصي البيد، وتجمعات المنتديات؛ إنها دمشق جلق الفيحاء، ما انفكت تدفع بعبقريات تأوي إليها كل الحمائم المطوقة، تهفو إليها قلوبٌ تعشق الفن والأدب الجميل، هي أم الحضارات منذ بدأ التأريخ يدون سطوره في صفحات المجتمعات الناهضة.

دمشق العلوم الزاخرة، سوريا ميادين الحياة العابقة بروائح وعطورات العباقرة، مرّ عليها «حبيب بن أوس» وسكنها «أبو العلاء المعري»، وغنى في دوحاتها «زرياب»، وجذر في أدبها «الكسائي»، وعشقها كل من عشق ذوائب الشعر والنثر والرسم والخيال.

سوريا مذكرات الطنطاوي وبلاغة أحمد راتب النفاخ، وأدب العلامة محمد الربدواي، وأدبيات علي عقلة عرسان، وأشعار نزار قباني، ومقالات كرد علي، ونضالات فارس الخوري، والمعذرة ممن لم تسعفني ذاكرتي في حصرهم، فنوابغُ وعباقرةُ بلدي أكثر من أن نحيط بهم عددًا.

الدكتور العلم رياض حكمت نعسان أغا

ومن أعلام الأدب العربي في بلدي الدكتور «رياض نعسان أغا» علمٌ من أعلام اللغة العربية، ومنارةٌ مضيئةٌ في سماء الأدب العربي، لسانٌ ناطقٌ، وجنانٌ وافرٌ في علوم اللغة.

ولد في إدلب الخضراء، إدلب الخير، إدلب الحرية والشموخ عام 1947م، لأب مقرئ هو «الشيخ حكمت نعسان آغا»؛ وأما الجد «خالد نعسان آغا»؛ فكان يعمل مقرئًا في محافظة إدلب. درس المرحلتين الابتدائية والإعدادية في إدلب «الابتدائية في مدرسة الفتح الأهلية، والثانوية في المتنبي»، ثم انتقل إلى دار المعلمين بحلب، ثم إلى دمشق؛ حيث تخرج في قسم الأدب العربي بكلية الآداب، ثم تابع دراسة الفلسفة الإسلامية، وقدَّم أطروحة الماجستير بعنوان «المساهمة العربية في عصر النهضة الأوربية»، ثم قدَّم أطروحته للدكتوراه في جامعة باكو بعنوان «الإعلام والعولمة»، وقد صدرت في كتاب عن دار الفكر في بيروت عام 2001م؛ بعنوان «بين السياسة والإعلام». كتب الشعر وهو صغير السن، وأصدر في إدلب، وهو دون العشرين من العمر مجلة «أشبالنا»، ثم أصدر مجلةً أخرى هي «النصر جيل النصر»؛ وكان له حضورٌ قويٌّ بما يمتلك من ذاكرةٍ قويَّةٍ، وثقافة تتزايد باطّراد. في سنة 1972م، كتب مسرحيةً تراجيديَّةً «أوليس»؛ التي أخرجها «مروان فنري»، وفازت بجائزة أفضل نصٍ، وأفضل عرضٍ في مهرجان المسرح التجريبي.

رجل أدبٍ، ومن عجيب أدبه، أنك تستمع إليه بكلِّ جوارحك، لا يلحن، ولا يتلعثم، ولا يتلكأ بكلامه، إذا استمعت له في برنامج لغةٍ، يكون لك الخيار أن تبدأ في السماع والمتابعة له، ولكن لا خيار لك أن تقطع البرنامج أو تغادره؛ فسحر كلامه يتركك مسحوبًا وراء عباراته الذهبيَّة.

أقتطف هذه الأبيات التي هي باكورة مسيرته الأدبية شعرًا؛ أي قبل خمسين سنةً خلت:

يذكرني أحد الأصدقاء بأول قصيدة كتبتها في حياتي ( عام 1968م) وفي مطلعها أقول :

رعى الله أيام الطفولة والصِبا *** وعهدًا قضينا في مراتعِ إدلبا

نطوِّف في الأحياء نملأ يومنا *** مراحًا وفي الساحات ننشىء ملعبا

ديارٌ لها في القلب أجملُ ذكرةٍ *** بها قد عرفنا الحب نهلًا ومشربا

وبين كروم التين نفرشُ بسطنا *** ونرشف شهدًا بالجمان مخضبا

الدكتور «رياض نعسان أغا» علمٌ وفخرٌ لكل أبناء العروبة والناطقين بالعربية؛ فهو المثقف والمؤلف، والكاتب، والمحاضر، والإذاعي، والأخ الدافئ لكل مَن عاشره، أو رافقه، أو جاوره.

تعرض لحادث سيرٍ مروِّعٍ برفقة المناضل الأستاذ المثقف «Michal Adawi مشعل العدوي »؛ ولكن الله لطف وسلَّم؛ فخرجت السيارة من الخدمة، ولم يُصَبْ أيٌّ منهم بأذى والحمدلله على سلامتكم أبناءَ الوطن.

سيدي الدكتور «رياض نعسان أغا»؛ أعلم أن المقال لم يصل إلى جزءٍ من مقامك الأدبي، والشخصي؛ ولكنَّ هذا جهد المقلِّ في إبراز مناقب أبناء بلدي المعطاء الخصيب، بلدُ الحضارةِ والثقافةِ والإنسانيَّةِ.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, الشام, سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد