«بعد مائة عامٍ، لا يزالُ صاحب البشرة السوداء يذبُل في زوايا المجتمع الأمريكي، ويجدُ نفسهُ منفيًّا في أرضه لهذا، جئنا إلى هنا اليوم كي نصوّر لكم وضعًا مروّعًا».

ذكّر مقتل جورج فلويد في مايو من العام الجاري بولاية مينيسوتا الأمريكيين بما يتعرضون له من تمييز عنصري طويل الأمد. ألقى فلويد حتفه أثناء اعتقاله بعد محاولته استخدام 20 دولارًا في محل بقالة وصفها الموظف أنها مُزورة، قام الشرطي بالضغط على عنقه بركبته لمنعه من الحركة لما يقارب تسع دقائق بينما قيده شرطيان آخران ومنع رابع المتفرجون من التدخل. خلال دقائق بدأ فلويد بالصراخ المتكرر: «لا استطيع التنفس» ثم توقفت حركته ونبضه، ولكن لم تقف على إثره حركة احتجاجات واسعة امتدت لأسبوعين، وقد كانت سلمية في البداية ثم تصاعدت لتصل إلى أعمال شغب وتخريب واشتباكات عنيفة مع الشرطة. بدأت في ولاية مينيسوتا ثم انتشرت في معظم الولايات الأمريكية حتى وصلت إلى البيت الأبيض لينضم إلى المحتجين الداعمون من مختلف أنحاء العالم حيث يجمعهم الغضب تجاه التمييز العنصري ضد السود.

التمييز العنصري ضد السود من قبل الدولة

لم يكن مقتل فلويد الأول من نوعه بل كان آخر حلقة في سلسلة طويلة من جرائم التمييز العنصري ضد السود في أمريكا. هناك إحصاء للأعداد ولكن هنا نستعرض أبرز تلك الحوادث على مدار السنوات الماضية للتأكيد أنهم ليسوا أرقامًا، ولإيضاح الوضع كما لو كنت من أصول أفريقية تقطن أمريكا.

إذا جلست في بيتك فأنت لست بأمان؛ ففي 2019 استيقظت ولاية تكساس على خبر مقتل أتاتيانا جيفرسون البالغة من العمر 28 عامًا بعد إطلاق النار عليها في منزلها، التي تقيم فيه مع والدتها وابن أخيها على يد الشرطة، التي وصلت إلى هناك بعد استغاثة جارها برقم الطوارئ لإيجاده باب منزلها الأمامي مفتوحا لمدة طويلة بشكل غير اعتيادى، وعُثر على مسدس بالقرب من جثتها دون إثبات إذا كان بحوز

تها لحظة إطلاق النار عليها أم لا.

إذا حملت سلاحًا فأنت لست بأمان؛ ففي 2016 قد تم استدعاء الشرطة في ولاية لوريزيانا بعد أنباء عن تهديد ألتون ستيرلنغ البالغ من العمر 37 عامًا شخصًا باستخدام مسدس خارج متجر. وأثناء اعتقاله استخدم شرطي صاعقًا كهربائيًا الذي سرعان ما أطلق النار على ستيرلنغ من أربع إلى ست مرات، وطبقا لرواية صاحب المتجر لم يبد ستيرلنغ أن بيديه مسدسا خلال الشجار مع ضباط الشرطة لكنه رأى الضابطين يخرجان مسدسا من جيبه يعد إطلاق النار.

إذا حرصت ألا تبقى في المنزل وألا تحمل سلاحا فأنت ما تزال لست بأمان؛ ففي 2015 تلقى والتر سكوت البالغ من العمر 50 عامًا ثلاثة طلقات في الظهر أثناء فراره من شرطي بولاية كارولينا بعد إيقاف سيارته، لأن ضوء فرامل سيارته مكسور، لم يكن قد مضى أسبوع حتى تبعها مقتل فريدي غراي بولاية مازيلاند البالغ من العمر 25 عامًا أثناء نقله في سيارة الشرطة سقط غراي في غيبوبة وتوفي بعدها باسبوع. رُجح سبب وفاته إلى إصابات في العمود الفقري. وأوضحت المدعية العامة أن غراي تعرض لإصابة بالغة في عنقه بسبب تقييد يديه ورجليه داخل حافلة الشرطة، وأضافت أن اعتقاله لم يكن بصورة قانونية وأنه لم يكن بحوزته سكين كما ادعى رجال الشرطة.

إذا اهتم الإعلام بقضيتك لا يزال غيرك ليس بأمان؛ ففي 2014 وقعت جرائم للتمييز العنصري ضد السود في ثلاث شهور متتالية؛ في يوليو بجزيرة ستاتن تكررت تفاصيل مقتل فلويد لتضم ضحية جديدة وهو إريك غارنر البالغ من العمر 43 عامًا. تبعه في أغسطس مقتل مايكل براون بولاية سانت لويس الذي تلقى ستة رصاصات منها اثنتان في رأسه بعد سرقته علبة سجائر. وبعد يومين فقط لقي إيزيل فورد حتفه بثلاث رصاصات من قبل شرطيين، وهم يقومان بدورية في جنوب لوس أنجلوس. وطبقًا لرواية الشرطة تعارك فورد البالغ من العمر 25 عامًا مع شرطي وأوقعه أرضًا وحاول أن يسطو على سلاحه مما دفع الأخير لتناول مسدس ثان يحمله معه للحالات الطارئة وأطلق النار على فورد ثم أطلق الشرطي الثاني الرصاصتين الأخريين. أما في نوفمبر بولاية أوهيو تلقت شرطة كليفلاند بلاغًا بأن فتى صغيرًا يمسك مسدسًا يحركه بيديه للمارة، وكان الفتى هو تامير رايس البالغ من العمر 12 عامًا يلهو بلعبة على شكل مسدس في إحدى الحدائق العامة. تحرك الشرطة إثر البلاغ وأُطلق الرصاص على رايس بعد وصول الشرطة إلى الحديقة بثوانٍ معدودة.

إذا كنت تشبه مجرمًا فأنت لست بأمان؛ ففي 1999 أطلق ضباط الشرطة على أحمدو ديالو البالغ من العمر 23 عامًا 41 طلقة وقد أصابه 19 منهم خارج منزله بولاية نيويورك. وقد برر الضباط أنهم ظنوا ديالو مشتبهًا به في حادثة اغتصاب فأمروه بالتوقف لسؤاله والانحناء فرفض ورأوا في يده ما اعتقدوا أنه مسدس وذلك قبل أن يتبين لهم أنه مجرد حافظة نقود.

إذا كنت تُحاكم فأنت لست بأمان؛ ففي 1989 في حديقة سنترال بارك بمانهاتن وقعت واحدة من أشهر جرائم الثمانينيات. وهي قضية جنائية حُكم فيها على أربعة مراهقين أمريكيين من أصل أفريقي وواحد من أصل إسباني لافتعال شغب غير قانوني والاشتباه في تورطهم في اغتصاب تريشا ميلي. ورغم عدم توفر أدلة جنائية قاموا بالاعتراف على بعضهم البعض بعد الضغط أثناء استجوابهم، ليقضي المتهمون في السجن بين 6-13 عامًا حتى عام 2002 اعترف الجاني الحقيقي ماتراس رييس باغتصاب ميلي. رفع الخمسة دعوى قضائية ضد شرطة نيويورك بتهمة التمييز العنصري ضد السود والمقاضاة بدون دليل حتى تقرر تعويض المدانين السابقين بمبلغ كبير. أعادت نتفلكس هذه القضية للذاكرة من خلال تجسيدها في مسلسل

«when they see us»

إذا كنت تقرأ في التاريخ ستتأكد أنك لست بأمان؛ في 1963 بدأت سلسلة من المظاهرات بولاية برمنجهام تنديدًا بالتمييز العنصري ضد السود حيث وقعت صدامات بين المحتجين ورجال الشرطة البيض. اقتحم رجال الشرطة صفوف المتظاهرين بالعنف مما أشعل حركة المظاهرات وموجة أعمال شغب. وفي العام نفسه قام مارتن لوثر كينغ ومؤيدوه بمظاهرة أخرى تضم آلاف المتظاهرين سُميت بمسيرة واشنطن للحرية التي اتجهت إلى نصب لينكولن التذكاري ليلقى كينغ خطبته الشهيرة «لدي حلم»:

«لدي حلم بأنه في يوم ما سيعيش أطفالي الأربعة بين أمة لا يُحكم فيها على الفرد من لون بشرته، إنما من ما تحويه شخصيته».

في العام الذي تليه 1964 صدر قانون الحقوق المدنية وقانون العمل الذي يحظر التمييز على أساس العرق أو اللون أو الدين أو الجنس أو الأصل القومي، ويمنع التطبيق اللا متساوي لمتطلبات تسجيل الناخبين، والفصل العنصري في المدارس والتوظيف والأماكن العامة.

التمييز العنصري ضد السود من قبل المجتمع

لم ينل الأمريكي الأسود نفس الحقوق والفرص المتاحة لنظيره الأبيض؛ يضع التمييز العنصري ضد السود الذين يمثلون نسبة 13% من إجمالي عدد السكان على المحك. فمن أبرز المشاكل الاجتماعية التي تواجهه هي الفقر، وصعوبة في إيجاد فرص العمل، ويتجلى التمييز العنصري ضد السود في حياة الأطفال؛ يتعرض التلاميذ السود في حالات الإخلال بالنظام لعقوبات أكثر صرامة من نظرائهم البيض. وقد سجلت معدلات انتحار الأطفال السود التي تزيد أعمارهم عن 13 عامًا ضعف معدل انتحار البيض بسبب العنصرية في المدرسة والرفض الاجتماعي الذي يهدد حالتهم النفسية وعدم توفر المساندة الكافية.

أوضحت تجربة «دمية كلارك» التي أجراها كينيث وزوجته مامي كلارك الصور النمطية لتصور الأطفال الذاتي فيما يتعلق بعرقهم، حيث أظهروا أطفالًا سود تتراوح أعمارهم بين 6-9 أعوام دميتين، واحدة بيضاء والأخرى سوداء ثم طرحوا عليهم أسئلة:

(الدمية التي تحبها وتود اللعب معها – الدمية التي تعتبرها لطيفة – الدمية التي تبدو سيئة – الدمية التي تبدو كطفل أبيض – الدمية التي تبدو كطفل ملون – الدمية التي تبدو كطفل من أصاحب البشرة السوداء – الدمية التي تبدو مثلك).

اختار معظم الأطفال السود الدمية السوداء كالدمية السيئة، ورفض العديد منهم اختيار الدمية وآخرون بدأوا في البكاء والهروب. استخدمت نتائج الدراسة لإثبات أن الفصل في المدارس كان يشوه عقول الأطفال الصغار السود لدرجة جعلتهم يكرهون أنفسهم.

من أين ينشأ التمييز العنصري؟

تنشأ العنصرية من الاعتقاد بأن هناك فروقًا بصفات الناس – الثقافية أو الاجتماعية – لانتمائهم لعرق معين وبالتالي تبرير معاملة الأفراد المنتمين لهذا العرق بشكل مختلف اجتماعيًا وقانونيًا واعتبارهم أدنى منزلة من أي عرق آخر. ويتم هذا التمييز بالمعاملة باللجوء إلى التعميمات المبنية على الصور النمطية.

هل أنت عنصريّ؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، يجب التفريق بين مصطلحين هما التحيز الواعي والتحيزاللا واعي؛ التحيز الواعي هو تحيز عنصري صريح يفصح عنه الإنسان إثر اختياره عقيدة بعينها ثم يظهر للعالم من خلالها ويدعو الناس لتبنيها. أما التحيز اللا واعي يتشكل بطريقة لا شعورية بناء على معلومات خارجية تلقيتها منذ طفولتك المبكرة، وثبت أن تعلم الصغار أفكارًا متحيزة أدى إلى اتخاذهم مواقف سلبية تجاه مجموعات حتى لو كانت تجاربهم معها ايجابية، أضف إلى ذلك الافتراضات والقوالب النمطية مما قرأته في وسائل الإعلام أو ما سمعته من الأصدقاء، أو ما شاهدته في الكتب والأفلام.

العنصرية هي التحيز الواعي، ولكن لا يغيب التحيز اللا واعي عن المشهد كثيرًا. فقد وجدت دراسة أن الكثير من الأمريكيين الذين يعتبرون أنفسهم غير عنصريين تجاه الأعراق الأخرى يكونون في الواقع تحيزات لا واعية تظهر دلائلها في عدم انزاعجهم من السلوكيات العنصرية للآخرين وعدم استعدادهم لمواجهتها. إذا كنت ترغب في قياس درجة تحيزك اللا واعي صُمم اختبار الترابط الضمني لهذا الغرض.

على الرغم من أن التمييز العنصري ضد السود ليس بجديد إلا أن أمل المساواة ليس ببعيد،

اغتيل مارتن لوثر كينغ قبل أن يتحقق حلمه ليشاركه الأمريكيون أمل القضاء على التمييز العنصري ضد السود بعدها بأكثر من نصف قرن. فقد اتجه المتظاهرون إلى مسيرة انطلقت من عند نصب إبراهام لينكولن التذكاري على خلفية مقتل جورج فلويد. وليستمر الحلم حتى اليوم الذي نكتب فيه إذا كنت من السود في أمريكا فأنت الآن بأمان.

«إخواني ، أقول لكم اليوم بأنه رغم الصعوبات والإحباطات التي نمرّ بها، إلا أنني ما زلتُ أحتفظُ بحلمي. إنه حلمٌ متأصلٌ بعمق في الحلم الأمريكي»

مارتن لوثر كينغ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد