إن ما يقع الآن في أمريكا من شغبٍ ومظاهراتٍ تندد بما تعرض له جورج فلويد من تعنيف وقتل بسبب العنصرية، ليس أول موقفٍ يتعرض له ذوو البشرة السوداء في أمريكا ولا في غيرها من دول العالم. تُعد العنصرية ضد السود جزءًا من تاريخٍ طويل في أمريكا؛ فقد كان السود يتعرضون لكل أشكال التمييز، من تجارة الرقيق، والتي تعد من أولى الأعمال العنصرية، العبودية، اقتصار التشغيل على المهن الهامشية والشاقة، منع اختلاط السود بالبيض في النقل العام والمطاعم وفي المدارس، عزل أماكن الشرب الخاصة بالسود ومنع جلوسهم بالأماكن العامة المخصصة للبيض كمحطات الباص، استعباد الأطفال في المزارع والحرمان من الامتيازات في التعليم، الهجرة، حق التصويت، حيازة الأراضي.. وغيرها من سلوكيات عنصرية ما نزال نعايش آثارها إلى حد الساعة.

إننا عندما نذكر كلمتي (تمييز-عنصرية) تتبادر إلى أذهاننا تلك الصورة النمطية عن العنصرية ضد الأفارقة السود، وننسى أن للعنصرية أوجهًا عدة، أكثر مما نتخيل حتى. كالعنصرية الصهيونية ضد الفلسطينيين، العنصرية ضد المسلمين في الغرب، العنصرية في تركيا ضد الطوائف المسيحية وضد العرب، العنصرية الطبقية، العنصرية في الملاعب، العنصرية في دول الخليج تجاه العمال الآسيويين، والعنصرية بين القبائل.. إلخ من أنواعٍ لا حصر له.

قد ظهر هذه الأيام نوع من التعاطف مع الأشخاص ذوي البشرة السوداء على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يقوم من خلاله الأشخاص بتلوين وَجهِهم بالأسود أو التلاعب بصورهم لجعل بشرتهم سمراء. وبدل أن يُعد هذا الفعل تضامنيًّا، كان عكس ذلك تمامًا؛ فظاهرة «الوجه الأسود» هي ظاهرة عنصرية يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر، حيث كان يقوم الفنانون/ الممثلون بوضع مكياج أسود على وجههم وتضخيم ملامحهم بشكل ساخر لتأدية عروض مسرحية وموسيقية هزلية لترفيه البيض.

تطور الأمر وانتشر في دول كثيرة أهمها بريطانيا، ليصبح على شكل رسومات كاريكاتير، وأفلام وبرامج إذاعية وتلفزيونية، وأزياء تنكرية تستعمل في الهالوين. وقد كانت هذه العروض العنصرية ذات شعبية كبيرة وحضرتها الكثير من الجماهير البيضاء. كل هذه الصور التي شملها «الوجه الأسود»، تهدف لإهانة السود والاستهزاء بهم واستحقارهم وتشويه ثقافتهم بكل مظاهرها.

وقد رافق الأحداث الحالية ظهور سلوك عنصري آخر نعيشه اليوم في ظل الوباء، يقوم على نعت الشعب الصيني بـ«الفيروس»، واستخدام عبارات من قبيل: «كورونا، صنع في الصين» و«الفيروس الصيني». وحملات التحريض العنصري على الكراهية سياسيًّا واجتماعيًّا، سواء من خلال منابر إعلامية، أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والتي تروج لفرضية أن الصين تهدد بقاء الإنسانية بسبب نمطها الغذائي وأسلوب عيشها وثقافتها. كلُّ هذه الحملات والخطابات هدفها تغذية الكراهية تجاه الصينيين خاصة وسكان آسيا عمومًا.

إن كل فرق في المعاملة بين الناس على أساس ما، هو عنصرية. فهل نتجاهل العنصرية في مجتمعاتنا ونَنتقدها في أمريكا؟ نحن نمارس العنصرية حينما نميِّز بين الأمازيغي والعربي، ونمارس العنصرية عندما نلقي نكات سمجة عن «البدوي والمتمدن»، ونمارس العنصرية مرة أخرى عندما نميز بين «الشامي والخليجي والمصري..» وعندما نستهزأ من لهجة بلد معين أو لباس أو ثقافة معينة. إننا نمارس العنصرية بمختلف أنواعها دون أن ندرك ذلك حتى.

لكي نحارب العنصرية جميعًا، يجب أن نبدأ بأنفسنا ونحاربها في محيطنا وأُسرنا ومجتمعنا أولًا، بدل أن نلقي عليها الضوء فقط عندما لا نكون مُمارسيها أو ضحاياها. فلنتأمل في قوله تعالى «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ» ولنفتح قلوبنا للسلام والتسامح ونعانق اختلافاتنا؛ ففي اختلافاتنا الكثير من التميز والجمال والحب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد