محمد ثابت 61
محمد ثابت 61

   شاهد العالم كله مبارايات كأس العالم الأخير خلال قرابة شهر مضى؛ وافتتن بعض بني جلدتنا من العرب والمسلمين ـ بحسن نية ـ بمسيرة المبارايات وترتيبها التصاعدي؛ حتى أن أحد الموثوق بفكرهم وإخلاصهم تمنى لو كانت «سياسة العالم» كله تدار بطريقة المبارايات التي تُقام كل 4 سنوات.

   فوقت كل مباراة معروف بدقة؛ تبدأ مع صافرة الحكم المُحايد؛ وهو ينتمي لدولة لا علاقة لها بالبلدين اللذين يلعبان، واللاعبون خلاصة أفضل مُجيدي ومحترفي كرة القدم في بلدهم، والمجاملة مرفوضة في اللعبة، والمستطيل الأخضر أو (الملعب) مهيأ بشدة للعب؛ ولا يمكن اقتحامه أو عرقلة اللاعبين من خارجه، ولا واسطة أو محسوبية في مجريات المباراة أو مدتها أو قرارات الحكم أو مساعديه.

  ونتيجة المباراة تعتمد على الفريق الأسرع والأنشط والأكثر قدرة على الدفاع عن مرماه والتسديد على مرمى الخصم، فلا تسهيلات مالية للاقتراب من مرمى الخصم، ولا رشوة لحارس مرمى كي يُفوت هدفًا للفريق الآخر؛ ولا إكرامية للاعبي خط الهجوم لإحراز هدف لا يريدونه، ولا درجة وظيفية خاصة للحكم إن ترك ركلة جزاء لم يحتسبها؛ أو فوّت عرقلة لاعب لآخر.

  وحتى إن لم يكن الحكم؛ الذي يهرول طوال الوقت حول اللاعبين قريبًا مُشاهدًا لكل لعبة؛ وإن لم يشاهد لعبة فإن هناك كاميرات مراقبة للمبارة خارج الملعب؛ فيمكنه إيقاف المباراة ليشاهدها على مهل ويصدر قراره في النهاية.

  وإن تعب لاعب أو شعر بأنه قدم كل ما لديه ولا يستطيع استمرارًا، أو رأى المدرب أنه مُجهد أو لم يعد يستطيع وفاء بالخطة أو استمرارًا في الإيجابية فإن له أن يغير من 11 لاعبًا حتى 3 لاعبين في المباراة الواحدة.

   وفي المقابل إن خرج لاعب عن قوانين اللعبة بما يحتمل فإن له (إنذرًا) يجعله يتمهل ويفكر جيدًا قبل أن يرتكب مخالفة أخرى إذ سيتم طردة عندها؛ فإن ارتكب لاعب مخالفة شديدة تم طرده في الحال ليعلب فريقه بدونه!

  ولكل فريق مدرب محترف يضع (الخطة) للعب ومنها الغذاء الصحي؛ والحالة البدنية والنفسية الجيدة، وتأمين جميع متطلبات الحياة للاعب!

   فإذا كانت هذه صورة اللعب «في العالم» فلماذا الجد فيه أو الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي   والمعرفي والعلمي بالغ الفوضى والقسوة والسوء؟

  كان يحلو للراحل الشيخ «محمد متولي الشعراوي» أن يقول في هذا الأمر: «ذهبوا بقوانين الجد إلى اللعب .. وتركوا الجد بلا قوانين».

  أي أن العالم تواطأ واتفق على أن يكون اللعب في كأس العالم وغيره بقوانين محكمة محددة، غالبًا لا تلاعب فيه ولا استهتار في الوقت الذي ترك فيه السياسة والجد ومصائر بعض الأفراد والأمم ـ على الأقل للعب ـ.

  تذكر كاتب هذه الكلمات نظام «كأس العالم» المُحكم وتفلت وفوضى تعم بعض العالم على الأقل، ففكر: ترى هل يفيد العالم أن تحكمه قوانين كقوانين «كأس العالم» هذه؟

  وبالتالي هل يسوده العدل والانضباط إن سادته هذه القوانين في يوم من الأيام؟

   ظلت هذه الكلمات يتردد صداها في العقل والوجدان حتى المباراة النهائية في «كأس العالم»، أي الأحد الماضي، بين فرنسا وكرواتيا، تلك المباراة التي حصدت الكأس فيها فرنسا بأقدام ومجهودات وقدرات ومهارات لاعبين أخذوا الجنسية الفرنسية رغم أن الأحد عشر لاعبًا ليس فيهم واحد أبوه أو أمه مولدان في فرنسا، بل إن جميع الاعبين لأبوين إما أفريقيين سمر البشرة أو مسلمين «قيل إن اللاعبين بنسبة 80% سمر وبنسبة 50% مسلمين»!

  وفرنسا التي مارست وتمارس العنصرية على مدار تاريخها؛ والتي احتلت أكثر من بلد مسلم وعربي وأرت أهله الويلات حتى انقضى احتلالها؛ وأودت بحياة عشرات الآلاف من الشهداء في سبيل ذلك؛ وهي تحرص على امتصاص دماء وخبرات الشعوب الأضعف منها، فرنسا التي يصرح أبرز سادتها أن العُري والتبرج للمرأة يُمثل فرنسا ولا يُمثلها الحجاب، فرنسا تلك حينما تفوز بكأس العالم منذ أيام لا تفوز به إلا على حساب أبناء المُستضعفين من تلك الشعوب الفقيرة التي تمارس باريس العنصرية ضد لونها ودينها!

   إن ميزان العدل المعوّج في العالم كله لا يمكن أن يثمر ـ على الإطلاق ـ عدلًا؛ ولو في لعبة «كرة القدم» أو في غيرها وإن استشرف البعض راحة في لعبة أو ظن أنها تطبق ما انفلتت القوى الكبرى منه وراحت تتمادى في غيّها وظلمها بعيدًا عنه.

  اللهم قرب حين وأجل أسباب عودة شمس حضارتنا العربية الإسلامية لتعم العالم كله، وتنقل القوانين الحقيقية للجد والخاصة بالعدل إلى جميع أنحاء وأرجاء هذا العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك