في يوم ما كنت عائداً إلى البيت، وبينما كنت أمشي في الطرقات، وجدت رجل كفيف يسلك طريقه وفي يده عصا بيضاء،فراقبته عن بعد لأرى مهارة هذا الرجل في الاعتماد على ذاته بالرغم من فقد البصر، فمر الكفيف بين الناس بكل سهولة ويسر حتى وصل للمكان الذي أراده بنفسه.

 

هذا الرجل قد حقق ما يفعله ذو البصر، فلماذا أصفنه في خانة بأنَّه معاق ولا يقدر على فعل الأشياء؟ تبين لي أنّني قد استهنت بكثير من الناس، سواء من استهنت به كان شخص صاحب إعاقة أو شخص لديه قدرات ومواهب معينة لم أُقدرها، وعندما قمت بقياس ذلك على الكثير من الأشخاص في المجتمع، وجدت أنني ظلمت أُناس مختلفة في الأعمار والمكانة والحالة الإجتماعية.

 

بالعدل قامت السموات والأرض

 

كان ذلك ما فكرت فيه بعد التفكير في العنصرية، نعم إنه العدل، العدل الذي أضاعه الكثير من البشر، ولكنَّ العدل لا يضيع، فكيف يضيع العدل وقد قامت السموات والأرض التي يعيش بها البشر على هذا الأساس، لذلك لا تكترث لهؤلاء الذين ازدروك أو لم يقدروك لأنَّهم يُقدّرون أشياء أخرى زائفة، لا تكترث وأكمل حياتك حتى وإن قذفوا بأحلامك بعيداً عنك وأعاقوا حركتك، فقم وأحضر أحلامك وضعها فوق رؤوسهم

ليشعروا كم هي ثقيلة، وإذا لم يعدل أهل الأرض معك فانتظر العدل من السماء فإنَّه حاكم ولن يفر منه أحد.

062315_0327_2.jpg

 

 

العطف الزائف والتقدير الزائف

 

إذا كنت تفعل شيئاً مزيفاً في تعاملك مع الناس، فعليك أن تُنقي نفسك قبل الوقوع في كارثة العنصرية. تجد فلاناً يقابل فقيراً في الشارع، فيُقابل الفقير بنظرات مبتذلة ويقول له (سهل الله أمرك) أو (الله كريم)، وبينما هو يذكر لفظ الله على لسانه تجده من الداخل يكره هذا الفقير ويعتبره عالة وقبحاً للمجتمع، وهو لا يعرف عن الفقير شيئاً، ولكنَّه يحكم عليه بظلم جائر دون أن يبحث عن حقيقته ودون أن يعتبره إنسان مثله يشاركه الوجود.

 

وفي عالم آخر تجد شخصاً يُقدر أُناس لا يقدموا قيمة لهذا المجتمع، فهو يقدرهم لغايات وأهداف شخصية يريد الحصول عليها وحده، فمثلاً تجد شخصاً يُقدّر مدير عمله، ليس لأن مدير عمله شخص رائع ومبدع، ولكنه يقدره ليحصل على ترقية أو راتب أعلى، وفي داخله لا يطيق أن يرى وجه مديره هذا؛ تجد هذا الشخص يعرف حقيقة أنّ مديره ليس جيداً ويعرف أنّه ينافق مديره عندما يتعامل معه، ولكنّه تغاضى عن كل الحقائق لأسباب أنانية أخرى يريد الحصول عليها مهما كلفه الأمر.

 

فلماذا لا تقول الحقيقة؟ إذا كنت لا تعرف حقيقة أحد لا تزدريه ولا تمجده، اتركه في حاله أو ابحث عن حقيقته إذا أردت أن تعرفه أو تنصحه لما هو خير، ولماذا لا تعامل غيرك بحقيقته التي تعرفها سواء كانت حقيقة سيئة أو جيدة، بدلاً من البحث عن مصالحك الأنانية لتحصل عليها بأي وسيلة كانت.

 

هل العنصرية كارثة

 

انظر حولك لتعرف نتيجتها، المجتمعات العربية أصبحت كومة من الأمراض النفسية والاجتماعية، تأتي تلك النتائج السلبية لأنّنا وضعنا ميزان العنصرية مقياس ليحكم بيننا البعض، وبالرغم من معرفتنا القوية أنّ هذا الميزان المختل سينكسر بسرعة لا نزال نستخدمه، فتجد في المجتمع من يأخذ حقوق ليست بحقوقه ويعتدى على الآخرين دون أن تجد من يحاسبه على ذلك، نحن لا نختلف عن عصر الجاهلية كثيراً، فقد جاء الإسلام ليقضي على الكثير من الظلم ونحن نعيده بأيدينا.

 

قال نبينا الكريم -صل الله عليه وسلم-: «إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد»، لتجد في هذا العصر من لديه نفوذ لا يُحاسب ولا يُحاكمه القضاء، والضعيف الذي لا يملك تلك النفوذ قد يُهان ويُحاكم ظلماً، وبالرغم من هذا الظلم تجد الظالم له أسبابه المفنعة التي يزيفها أمام أعينكم لترددها هنا وهناك، وبعد العنصرية والظلم تجد كل كوارث المجتمع تتسلسل خلف بعضها، انظر حولك لترى العنصرية وإذا لم ترها ففكر إذا كنت من أهل العنصرية أم في مكان به بشر يقدرون بعضهم بدون عنصرية.

 

 

ذوو الإعاقة

 

أنا لا أقصد أن أُصنف هذه الفئة من الناس بشكل عنصري، فهم مثلنا لهم حقوق كثيرة وواجبات، بل الذي أقصده أنّ هؤلاء الأشخاص قد تشاركوا مصير متشابه في الحياة، وذوو الإعاقة هم أكثر الناس ظلماً في مجتمعنا العربي، وكلمة الإعاقة ليست بشيء سيء أو قبيح، الفكرة كلها أنّهم يستطيعون فعل كل شيء مثلك، ولكنه يحتاج أدوات تساعده في ذلك، وإذا كنت تصنفهم بأنهم لديهم إعاقة ولا يقدروا على فعل أشياء كثيرة.

بالتالي أنت أكثر شخص صاحب إعاقة في البشرية، لأنّك لو نظرت حولك لكل شيء تفعله في حياتك ستجد أنّك تستخدم أدوات لفعله، وبدون تلك الأدوات ستقف مشلولاً لا تقدر على إنهاء أي عمل في حياتك، من تلك الأمثلة: (أنت تستخدم نظارة لترى، تستخدم وسيلة مواصلات للذهاب إلى عملك، تستخدم ساعة لتنظيم وقتك، وإن كنت مريض فأنت تأخذ دواء لتبقى سالماً)، لذلك لا تنظر إلى أحد بعنصرية، وبدلاً من أن تقف أمام الناس تحبطهم فلتجرب وأحضر إليه ما يساعده إذا كنت تستطيع، كل شخص لديه ظروفه الخاصة في حياته ويحتاج أدوات لتساعده على تخطي الظروف، فلا يحق لك بأي شكل كان أن تقول هذا شخص لديه حالة خاصة أو إعاقة لا يمكنه أن يكن مثلنا.

 

رجل النظافة

 

أحببت أن أختم هذا المقال بهذا الرجل، منذ زمن قريب في الحيّ الذي كنت أسكن فيه، قد تعرفت على رجل -ليس بأصل عربي- يعمل كرجل نظافة في شارعنا، وكما الحال تجد رجل النظافة شخص ذو حالة مادية ضعيفة ويتعب كثيراً في عمله مقابل القليل من المال، ولكن هذا الرجل كان غنيّ بشكل غريب لا يُصدَّق. بعض الأحيان كنت أذهب للصلاة في المسجد، دائماً كنت أجده هناك يُصلي، خاصة في صلاة الفجر، بالرغم من سوء حالته المادية وجدته لم ينس ربه ويحافظ على صلته بينه وبين ربه، وعندما كنت أقابله في أي مكان كان يُسلم بابتسامه عريضة ووجه كله أمل وصفاء، وعندما كنت أجده في الصباح يفطر تحت شجرة في الشارع، كان يقول لي تفضل، وعندما كنت أجده يعمل كان يعمل بشكل طبيعي بدون يأس أو اشمئزاز.

 

شكراً لك يا صديق الخير، لقد فعلت ما لم يفعله الكثيرون. هل فهمتم الأمر؟ رجل نظافة لا يملك أموال طائلة ولا نفوذ ولا شهرة ولا أي شيء، لكنّه امتلك علاقة قوية مع ربه، لم يقف أمام الظروف ينتظر النجاة، ولم ييأس لأن حالته أسوأ من الكثير من البشر، ولكنّه رضى بحياته وبعمله، ولم يقوم بعمله ليتخلص منه ولكنه قام بعمله لكي يُقدّم الخير للمجتمع، هذا الرجل الذي كان يعرف القليل من اللغة العربية قد علمني ما لم يعلمه لي شخص عربي أعرفه، هذا الرجل الذي لا يُقدره المجتمع قد يقدره ربه ويضعه فوق رؤوسنا يوم لقاء الله لأنّه مخلص، هذا الرجل لم يُنظف شارعنا فقط ولكنّه قد نظفني قبل أن أُلوث المجتمع بأفكار وأفعال شنيعة، أنت فعلاً رجل النظافة.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد