تصدرت الدبلوماسية المصرية في الأيام القليلة الماضية المشهد في أغلب الصحف العالمية، على إثر اتهامات عنصرية من قبل
الدبلوماسية الكينية، والتي تقدمت بشكوى بحق عضو بالوفد المصري خلال اجتماع للأمم المتحدة للبيئة في العاصمة الكينية نيروبي، حيث اتهمته بوصف الأفارقة بـ«الكلاب والعبيد» على حد تعبيرها، اتهامات سارعت القاهرة بنفيها وفتح تحقيق في الواقعة في الحال، مع تأكيدها على انتمائها الإفريقي، اتهامات تطرح تساؤلًا حول مدى صحة الأحداث؟ وتفتح الباب أمام حقيقة انتشار العنصرية في مصر!

الحديث عن وجود عنصرية في مصر قد يعد أحد ضروب الخيال، خاصة عند الأخذ في الاعتبار أن غالبية سكان البلاد تميل بشرتهم إلى حد ما إلى اللون القمحي، مع عدم إغفال مكانة مصر الإفريقية كدولة كبرى، داخل قارة تميل أغلبيتها العظمى إلى اللون الأسمر، في حين تعد الديانة الإسلامية الأكثر انتشارًا في مصر، ويدين بها أكثر من نصف الشعب المصري، والتي تساوي بين البشر كافة، بعيدًا عن أي فوارق عرقية أو طبقية، أضف إلى ذلك الوضع الاقتصادي في بلد يعد أغلبية قاطنيه من الفقراء، مما يحد كثيرًا من نظرية السادة والعبيد عند الأغلبية العظمى من الشعب.

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ـ سورة الحجرات :13»

وللتعرف على مقدار العنصرية الموجود في مصر، اسمح لي عزيزي القارئ أن أصحبك في جولة صغيرة تتعرف خلالها على أحد الأوجه القبيحة التي قد تظن أنها اختفت من عالمنا العربي الإسلامي!

عالم الفن

1- السينما وأخواتها

«عندما رفض موزع فيلم الكرنك أحمد زكي قائلًا: هذا شكله وحش، هذا أسود، هذا يطلع يحب سعاد حسني!»

تعد السينما المصرية صاحبة الجرم الأكبر في تفشي العنصرية في البلاد، لتعمدها منذ بدايتها منذ أكثر من مائةِ عام على إنتاج أفلام تحتوي على مشاهد عنصرية، ترتكز على النظرة الاستعلائية على كل ما هو أسمر أو فقير، لتكرس في نفوس المصريين تلك النظرة الدونية بدون وازع أخلاقي أو ديني.

فباستثناء رائعة د. منى أبو النصر المسلسل الكارتوني بكار – والذي قد يعد نقطة الضوء الوحيدة وسط الظلام الحالك – تظل شخصية النوبي خصوصًا والصعيدي عمومًا، محصورة وبشكل دائم في الأدوار الخدمية (بواب، سفرجي، طباخ، سائق … إلخ) والتي نكنُ لها جميعًا كل الاحترام والتقدير للعاملين بها، وأنه لا يعيب المرء كونه يعمل في إحدى هذه المهن، ولكن أن تختزل شعبًا كاملًا كثقافة، ولهجة، وبشر، في دور واحد، وشخصية واحدة، فتلك هي الجريمة.

فبالنسبة لي أصبح شيئًا اعتياديًا احتقار السينما المصرية لكل ما هو مصري أصيل، فوجود ممثل ذو بشرة سمراء في أي عمل سواء كان على شاشات السينما، التلفزيون، أو حتى المسرح، يعد مؤشرًا لملامح شبه عنصرية ستبدأ بعد لحظات.

فدور الممثل الأسمر دائمًا مختزل ومعروف، فبالتأكيد هو ليس البطل – ما لم يكن أحمد زكي – ولكن كان ذلك في الماضي، عندما كانت الكوميديا معتمدة على الضحك والسخرية من اللهجة النوبية – والتي استُخدمت من قبل الجيش المصري كشفرة في حرب أكتوبر – بكلمات من نوعية (مامبو، جامبو، انابورا) أو أسلوب وتصرفات الخادم الكوميدية والتي أشبه ما تكون بمهرجي السيرك.

فمع تطور مستوى الكوميديا، فإن دور الخادم المسمى عم عبده، عثمان، إدريس، صاحب اللهجة العربية المهجنة (المكسرة) لم يعد مضحكًا كما كان من قبل، مثله في ذلك شخصية عثمان عبدالباسط، والتي اختزل بها علي الكسار الشخصية النوبية في هذا الدور.


«وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض. لديها القدرة على جعل الأبرياء مذنبين وجعل المذنبين أبرياء، وهذه هي القوة. لأنها تتحكم في عقول الجماهير ـ مالك الشباز»

والآن وقد أصبحنا في الألفية الجديدة، فإن الوضع بالتأكيد قد تغير، ولكن للأسف كان التغيير للأسوأ، فبعد أن كانت العنصرية في السينما معتمدة على التهميش والاختزال في أدوار الخدم، أصبح هناك مستوى جديد من العنصرية هو السخرية من اللون نفسه، ليصل المستوى الآن لدرجات مُتدنية من القبح والاشمئزاز، وتشبيهات كنا نظن أنها انقرضت في جاهلية الماضي السحيق (عبد أسود، فحمة، عجوة، شيكولاتة … إلخ) والأمثلة على ذلك كثيرة نستعرض منها، للعرض وليس الحصر:

  • في مشهدين من فيلم اللي بالي بالك وبعد أن يتغزل البطل في جمال زوجته البيضاء وأنها كالشمس المنيرة، يطلق سخريته علي خادمه الأسود بمقولته «إيه الليل اللي هجم ده».
  • شخصية بنت الخادمة السوداء التي يحتضنها محمد سعد بعد أن ظن أنها ابنته ويقول «حبيبة بابا
    مضلمة الدنيا» وبعد أن تلومه زوجته لأنه لم يتعرف على ابنتهم فيرد «معلش أنا قلت برضه انتى بيضة وأنا أبيض فإزاي نخلف صباع العجوة ده؟».
  • شخصية فتاة الليل «سمارة» في فيلم صعيدي في الجامعة الأمريكية والتي تمتلئ بكم تاريخي من العنصرية والتهكم والسخرية، بداية من مقولة البطل «وبتطفي النور ليه ما انتي مضلمة خلقة»، مرورًا بـ «طب والفحماية دى»، وانتهاءً بالأغنية التاريخية شيكولاتة «اغمقت واسمرت واتحرقت بس بطاطا!»
  • شخصية عم نصر الرجل السوداني والتي جسدها سليمان عيد في فيلم عيال حبيبة، وكأن المخرج لم يكفيه أن الممثل ذو بشرة سمراء ليزيده سوادًا (لزوم الضحك والأفيه)، ففي بداية الفيلم يثني هلال على رائحة عم نصر العطرة والذي يجيبه قائلًا «هو يبقي سواد وريحة وحشة كمان» قبل أن يأتي حسن حسني ليسأل ابنه «إيه اللي موقفك مع الضلمة دي».
  • موقف أخر كان من نصيب عم نصر حين ينتظر البطل عيد مع أصدقائه خارج الشقة لحين يُحضر لهم عطره والمسمى طمي النيل، وبينما يشاهدون صوره العائلية المعلقة بداخل الشقة تبدأ السخرية ويطلق رامز جلال أول أفيه بجملته «هي الشقة دي اتحرقت ولا إيه»، الجملة الثانية كانت من نصيب محمد لطفي والذي أبدي أيضًا سخريته من الأشخاص بالصورة (الصور دي مش كنت تحمضها قبل ما تعلقها)، ليغضب عم نصر منهم، وفي محاولة من محمد هلال مصالحته يبادر رامز بالسخرية مرة أخرى «ميبقاش قلبك زي وشك» قبل أن يختتم الموقف بتشبيهه باللاعب جيلبرتو في إشارة إلى تشابه اللون وسط ضحكات منقطعة النظير من الأبطال خلال الموقف.

الشاشة الفضية هي أيضا حاضرة دائما ولها نصيب كبير من التهكم والسخرية، نذكر منها لقطة من مسلسل نكدب لو قلنا مابنحبش، حين تسخر رجاء الجداوي من أمير صلاح الدين بقولها «مش هجوزك أبدًا بنتي غير لما تجيب كل البرابرة بتوعك» جملة أحدثت ضجة هائلة، قبل أن يخرج أمير ليوضح حقيقة المشهد وعدم تضمنه لإهانة من وجهة نظره، هذا بالطبع مع عدم إغفال حقيقة عدم وجود أي مذيعة سمراء – كأوبرا وينفري في أمريكا – داخل ماسبيرو – يمكن استثناء القناة الثامنة المحلية – حيث يُعتبر اللون الأبيض أحد معايير الجمال، في بلد تعتمد على المظاهر في الاختيار، بغض النظر عن مستوى الكفاءة.

تياترو مصر (مسرح مصر) والذي يعد تجربة جديدة ومختلفة للمسرح المصري لم يسلم هو الآخر من الوقوع في فخ العنصرية، ففي أحد الحلقات يتنكر حمدي المرغني في أحد المشاهد بزي سفرجي وعندما يُسأل عن زي تنكره يجيبهم باللهجة المهجنة قائلًا «أنا عامل نوبي».

وفي حلقة «كي جي تو» من الموسم الثاني للبرنامج، يقوم محمد أسامة بتجسد شخصية «حبيشة» وفي أحد المشاهد يتندر لأمه قائلًا: «قالوا عليا أسود ياما وشبه الميكروباص المحروق، ليه ياما خلفتيني أسود».

أيضًا في حلقة «إيه اللي جابني هنا» سخر أحد أعضاء الفرقة من عمر مصطفى متولي بعبارة «يا سودة يا كودة يا حوق الهباب»، وبالتأكيد لا نتناسى جملة علي ربيع الشهيرة في حلقة خلطة سرية «يا عبد يا أسود».

2- الغناء والفيديو كليب


«لا يوجد إنسان ولد يكره إنسانا آخر بسبب لون بشرته أو أصله أو دينه.. الناس تعلمت الكراهية وإذا كان بالإمكان تعليمهم الكراهية إذًا بإمكاننا تعليمهم الحب.. خاصة أن الحب أقرب لقلب الإنسان من الكراهية» ـ نيلسون مانديلا

– طب فين دبدوبي والقرد النوبي، بهذه الكلمات سقطت هيفاء وهبي في مستنقع العنصرية، لتثار ضدها موجة كبيرة من الانتقاد قبل أن تنتهي بالاعتذار وحذف الجملة من الأغنية.

  • في إحدى أغاني الفيديو كليب يتقدم عمدة بصفته عريسًا للزواج من فتاة بناءً على سمعتها الطيبة وأخلاقها الحسنة، قبل أن يكتشف أنها سوداء (مع تعمد المخرج إخراجها في أسوأ صورة) ليقرر الهرب بالقفز من النافذة فورًا، ولتبدأ بعدها موجة السخرية طوال الأغنية في مستوى جديد من الانحطاط.
  • سعد الصغير لم يسلم هو الآخر من العنصرية في إحدى أغانية «مبروك» المختلف هذه المرة، أن العنصرية كانت من خلال الأطفال – المفترض أنهم أبرياء – فموضوع الكليب عبارة عن فرح جميع أفراده من الأطفال، وكالمعتاد الطفل الأسود الوحيد في الكليب هو «الخادم» وفي الوقت الذي ينهال الأطفال على سعد بالضرب والمزاح بطريقة كوميدية، كانت صفعة سعد الصغير موجهه إلى الطفل الأسود الذي لا يحرك ساكنًا كباقي الأطفال ويقف كمن ينتظر الأوامر من القادة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العنصرية
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد