إنّ التظاهرات الّتي تعصف بالولايات المتّحدة الأمريكيّة حديثًا قد تبدو، للأكثريّة السّاحقة من المتابعين، مدهشة. إلّا أنّ المراقبين لهذه التّطوّرات والمطّلعين على تاريخ الصراع العرقي الأمريكي لم يتفاجأوا بها ألبتّة، حتّى أنّ البعض منهم كان قد تخوّف من اندلاع الأخيرة وقرع جرس الإنذار من فترة طويلة. ولم يكن مقتل جورج فلويد سوى الشّرارة التي أشعلت الشّارع الأمريكي والّتي أظهرت إلى العلن الحقد الكامن في أعماق كلِّ من الفريقين: أصحاب البشرة البيضاء والزّنوج.

وتعود هذه التوتّرات إلى ما قبل استقلال الولايات، فلم تسلم البلاد حينها وبعدها من التجاذبات التي اودت بها إلى حرب أهلية بسبب الانقسام العمودي حول مسألة العبوديّة، فاختارت ولايات الجنوب تشكيل «الولايات الكونفدراليّة الأمريكيّة» بعد سنة من وصول لينكون إلى سدّة الرئاسة عام 1860، لتشتدّ المعارك بعد تحرير لينكون أصحاب البشرة الداكنة عام 1863. وصلت الحرب إلى خواتيمها بعد أربع سنوات من انطلاقها وعُدّلَ الدّستور لصالح العبيد عام 1865 بتعديله الثالث عشر. إلّا أنّ الطّريق نحو المساواة كان لا يزال طويلًا وهذا ما تبيّن مع قرار المحكمة العليا عام 1896 بالسّماح بتفريق الاقلّيّة الدّاكنة عن سائر المواطنين البيض في القطارات شرط توفّر الشروط نفسها من رفاهية للطرفين، وعُمِّمَ ذلك على سائر المؤسّسات الرسميّة والخاصّة على حدّ سواء. وتبقى صراعات بعض الشخصيات الزنجيّة عالقة في أذهان الأمريكيين، بدءًا بجورج مك لورين الّذي ناضل لقبوله في جامعة أوكلاهوما، مرورًا بروزًا باركس وامتناعها عن تقديم مقعدها في الحافلة لرجلٍ أبيضٍ، وصولًا إلى اغتيال مارتن لوثر كينغ.

وبالرغم من تبدّل القوانين والمفهوم الاجتماعي للمساواة، إلّا أنّ إمكانيّة قضاء رجل أسود حتفه على يد شرطيٍّ امريكيٍّ تبقى 2.5 مرّات أكثر مقارنة بنظيره الأبيض. ولم يكن وصول ترامب، بشعاراته المسيئة إلى الأقليّات، وخطاباته التي تحكّ غرائز اليمينيّين المتطرّفين، سوى المسمار الأخير في نعش السّلم الأهليّ الأمريكي، وهو المرشّح الذي فرض نفسه رئيسًا، بالرغم من نيله العدد الأقلّ من مجموع الأصوات في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2016، إنّما تقسيم الـelectoral votes بينه وبين كلينتون، أتى لصالحه.

بات واضحًا اليوم مدى تأثّر العالم أجمعه بحادثة جورج فلويد مع انطلاق تظاهرات معادية للعنصريّة في عدد لا يحصى من الدول، وعلى رأسها الدول الأوروبيّة بالرغم من خطر كورونا، والّتي كانت قبل بضعة أيّام قليلة بؤرة هذا الوباء. كما كانت منصّات التواصل الاجتماعيّ كفيلةً بتحويل القضيّة من مسألة أمريكيّة بحت إلى قضيّةٍ عالميّةٍ.

واصطدمت الدّول العربيّة ومنها لبنان بالهاشتاغات المناصرة لتلك القضيّة (BlackLivesMatter#). وكان التّضامن اللبنانيّ كبيرًا، وهو ما يدفعنا إلى طرح السؤال الآتي: إذا كان مقتل فلويد سيترك انطباعًا عالميًّا، فما حصّة لبنان منه؟ وما هي هذه الأقلّيّة الكامنة في لبنان التي قد تكون نظيرة المجتمع الزنجيّ الأمريكيّ؟

الإجابة عن الإشكالية الثانية قد تكون بغاية البساطة: يقطن على الأراضي اللّبنانيّة ما لا يقلّ عن 900 ألف نازحٍ سوريٍ بحسب إحصاءات الـUNHCR لشهر ديسمبر (كانون الأوّل) للعام 2020، بالإضافة إلى ما يقارب 270 ألف لاجئ فلسطينيٍّ. وبالرغم من تضامنٍ لبنانيٍّ إلكترونيٍ واضحٍ عبر «تويتر» و«فيسبوك» للقضيّة الإنسانيّة، والاستنكار الكبير الّذي طال التّطرّف والعنصريّة، إلّا أنّها تتناقض مع الواقع والموقف الاجتماعيّ لشريحة كبيرة من الشّعب اللبنانيّ الذي كان ولا يزال يسمع محاضرات البعض السّياسيّة التي تلقي اللّوم إلى ما آلت عليه الأوضاع الاقتصاديّة والمعيشيّة في البلاد على الوجود الفلسطينيّ والسّوري.

الأخطر ليس في تهرّب المسؤولين من واجباتهم وإلقاء اللّوم على من يبحثون عن كرامة العيش من فلسطينيين وسوريين على أراضيهم، بل في فتح جروح الماضي ونبش قبور الحرب الأهليّة وخلق موجة غضبٍ جديدة تجاه النازح. ففجأة تحوّل الفلسطينيّ من جديد ودون سابق إنذارٍ إلى خطرٍ على المسيحيّين اللبنانيّين، مع العلم أنّ السّلاح الفلسطينيّ في المخيّمات اليوم يبقى تفصيلًا أمام مشاهد السلاح المتفلّت في مواقع اخرى من بيروت إلى البقاع والشمال حيث فشلت الدّولة في بسط سيطرتها. وارتفعت وتيرة هذه الأصوات مع اندلاع ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) الّتي أسقطت بدورها التّسويات السّياسيّة وفرضت على رؤساء الدولة واقعًا جديدًا اسمه نبض الشّارع، فسارع العهد إلى الدّعوة إلى مظاهرات مؤيّدة للرّئيس ومن حوله. وكانت النّتيجة: «الحقّ عالنّازح».

لِنَضع إذًا النقاط على الحروف: نعم! النّهج المسيحيّ في لبنان كان له موقفًا سلبيًا من وجود فلسطينيٍّ مسلَّحٍ، لكن فليلقي الحكّام اليوم اللّوم على من أوصل لبنان آنذاك إلى ذروة الغليان. لا يمكن! ببساطة: توفّاهم اللّه! هل يجوز اليوم أن نلحق كمال جنبلاط إلى قبره لنحاسبه على توصيل فرنجيّة إلى الرِّئاسة؟ كانت كتلة جنبلاط هي الحاسمة في انتخابات لبنان الرّئاسيّة عام 1970، فبدّلت الكتلة موقفها في آخر لحظة لتُصَوِّتَ لفرنجيّة بدلًا عن إلياس سركيس، وهو قرارٌ ندم عليه جنبلاط لاحقًا، ولم يستطع إصلاحه، فاغتيل بعد انتهاء ولاية فرنجيّة بقليل. وصول سركيس، لو حصل حينها، كان يمكن أن يُجنِّب البلاد الحرب بتجنيبها الاصطدام بين الجيش ومنظّمة التحرير عام 1973 الّذي حاول عبره فرنجيّة إبطال مفعول اتّفاق القاهرة.

لا ينكر أحد المجازر والمجازر المضادّة التي عصفت بالبلاد حينها، والمؤكد أنّ أحدًا لم يسلم منها. ولكن أبا عمّار لم يعد موجودًا، وبشير كذلك. عمليّة SPARK أو الشّرارة التي كان من المفترض أن تقوم بها القوات اللبنانيّة لم تحصل يومًا. حاصر الإسرائيلي الغربيّة، وقطع عنها المياه، والقمح، والمازوت، والتليفون، والكهرباء، بغية إخراج عرفات وقوّاته ولم يرفع الحصار، إلا بضغط من فيليب حبيب، مبعوث ريغن في الشرق الأوسط. النتيجة؟ انسحب الفلسطينيّ عملًا بالاقتراح الدبلوماسيّ لحبيب، وبشير اغتاله حبيب من نوعٍ آخر، والإسرائيليّ اجتاح العاصمة بعد أن استاء من المماطلة المسيحيّة.

هل يجوز اليوم، في ظل الحاجة الماسّة إلى استثمار كل الطاقات القابعة على أراضينا، على اختلاف جنسيّاتها، ان نعيد فتح الجرح الّذي لم يلتئم؟ فما عادت الشخصيّات الرئيسة في الحرب حاضرة اليوم، ويبقى فقط رواسب منها. والجزء الأكبر من فلسطينيّي لبنان عبارة عن جيل جديد ولد وكبر في لبنان ويعتبره وطنًا نهائيًّا له. لا يجوز إذًا إطلاق السّهام صوبه.

شيطنة النّازح واعتباره سببًا للأزمة امرٌ مؤسفٌ. خيبة الأمل الأكبر سببها المعاملة المختلفة التي يتلقّاها هؤلاء. نأخذ مثلًا البيان الصادر عن الأمن العام بتاريخ 30 أبريل (نيسان) الذي يمنع فيه اللاجئ الفلسطينيّ من العودة بطائرات الإجلاء التي خُصِّصَت للمغتربين نتيجة إغلاق مطارات العالم لكبح انتشار كورونا، وهو ما التزمت به المديريّة حين منعت اللاجئ طارق أبوطه من العودة من دبي إلى بيروت. مثلٌ آخر يقضي بمنع المرأة اللّبنانيّة المتأهّلة من أجنبيّ من إعطاء الجنسيّة لأولادها، فهناك هلعٌ من تغيير ديموغرافي إذا ما حصل ذلك، فالعدد الأكبر من تلك النساء متأهّلات من فلسطينيّين وسوريّين أغلبهم من أهل السّنّة؛ ما أثار رعب بعض المتطرّفين من باقي المذاهب خوفًا من انقلاب موازين القوى من طائفة لصالح طائفة أخرى. وبالرغم من أنّ هذا التغيّر الديموغرافيّ حاصلٌ بالفعل، إلّا أن أمراء الطّوائف غير مستعدّين لرؤية التّغيير مُتَرجمًا في سجلّات النّفوس. ونصل إلى الدّعوات لإقفال مخيّم عين الحلوة خوفًا من انتشار كورونا، وهو ما حصل بالفعل! حوصِر المخيَّم وتمّ وضع عناصر من الجيش على المداخل الأربعة. وهذا إن دلّ على شيء، فيدلّ على بشاعة العيش في تلك المخيّمات ونسب الفقر فيها.

يبقى السوريّ، من جهة أخرى، المتّهم الأوّل بارتفاع معدلات البطالة لأنه يقبض أقلّ من اللبنانيّ، والمسؤول عن ارتفاع استهلاك الكهرباء والمياه، وبالتّالي المسؤول عن انهيار الدّولة على رؤوسنا. ومع ذلك نصعد إلى المنابر الدوليّة لنشحذ باسمهم متذرّعين بكلفتهم الباهظة. وندعو إلى ترحيلهم بطريقة آمنة ولكن ليس طوعيّة. لمَ لا نقوم أوّلًا بتنقيحٍ نكشف من خلاله النازح الفعليّ عن غيره ونُسقِط صفة النازح عمّن يشعر بالأمان داخل سوريا؟ ألا يبدو هذا الطّرح إنسانيّا أكثر؟

نعم يا سادة: هؤلاء هم جورج فلويد لبنان الّذين خنقناهم بالعنصريّة، وليس بوضع الرّكبة على رقابهم، بل بشيطنتهم. الفرق أنّ فلويد مكوِّنٌ من صراع عمره عصور.. أمّا ضحايا العنصريّة اللّبنانيّة، إحداهما على قاب قوسين من العودة إلى بلاده بعد حرب دامت سنوات، والآخر لا يعرف سوى أرض لبنان!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد