في بهو أحد الفنادق في القاهرة كنا مجموعة من الطلاب السودانيين نقف موجهين سؤالنا لموظفة الفندق أين صديقنا محمد؟ سألت الموظفة مستفهمة من هو محمد؟ فأجبنا صديقنا «اللونه فاتح» واصفين أياه حسب درجات اللون الأسمر عندنا، انفجرت الموظفة ضاحكة «ما كلكم زي بعض» حتى تلك اللحظة لم نكن نعلم أن العالم ينظر لنا أننا كلنا مثل بعض، وأن تفاوت درجات اللون الأسود أو الأسمر عندنا لا يمثل فرقًا طالما أن ضابط الجوازات الأقل سوادًا منك قد ختم لك إذن الخروج من مطار الخرطوم الدولي أو أحد المعابر البرية أو الموانئ البحرية وأنت تغادر بلاد السود.

عادةً يكون الاختلاف في اللون أو العرق محفزًا على ممارسة الفعل العنصري تجاه الآخر، حيث إننا عندما نسمع كلمة عنصرية عادةً ما يجول بخاطرنا شخص أبيض البشرة من أصول بيضاء يعامل شخصًا أسود من أصول أفريقية بناء على لون بشرته، أو شخص من أصول أوروبية أو أمريكية ذو بشرة بيضاء يعامل شخصًا لاتينيًا أو آسيويًا بناء على عرقه، بناءً على هذا الأساس تعد المعاملة العنصرية مفهومة نوعًا ما لأن هذا الشخص لم يقدر على إدارة هذا الاختلاف أو أنه قد تربى علي نظرة استعلائية وأُرضِع العنصرية منذ الصغر، لذلك ينظر لكل من يخالفه في اللون أو العرق على أنه أقل منه في درجة الإنسانية أو أحيانا يخلع عنه رداء الإنسانية ليتركه عاريًا في جحيم العنصرية أو غريقًا في أمواج كُره الذات المتلاطمة. 

أما في السودان فالعنصرية من الغرابة بمكان، حيث يتفق الجميع على حقيقة الأصل أو العرق الأفريقي الواحد الذي ينتهي له إنسان السودان، وأن الحضارة النوبية الأفريقية التي قامت على وادي النيل وكل الممالك التي حكمت البلاد في الأزمان الغابرة كانت أفريقية خالصة، مع انفتاح السودان على العالم الخارجي ووفود أجناس أخرى الي أرض السود اختلط الدم السوداني بدماء أخرى عربية أو غيرها من الأجناس التي لا تمتاز بلون بشرة سوداء، والمعلوم أن المحيط مهما انسكب عليه من زيت أو خل أو عسل فإنه يظل محيطًا، لأن المُذاب عندما يختلط بالمُذيب لا يُفقد المُذيب خواصه الأساسية، وإن كانت هذه القاعدة ثابتة فإنه مهما دخلت دماء غير أفريقية واختلطت بالدم السوداني، فإن الدماء التي تجري في عروقنا تظل أفريقية خالصة. 

ولكن الإنسان السوداني له رأي آخر حيث يرى أن هذه الدماء التي مُزجت بدمائه وأدت إلى تقليل درجة السواد في لون بشرته تُعد ميزة تفضيلية ومدعاة للفخر واتخاذ موقف وفعل عنصري تجاه الآخر الأكثر سوادًا منه، وهذا بحد ذاته سببًا للضحك والتنمر من الآخرين الذين يرون أن لا فرق ما دمت سودانيًا فلا حاجة لوضع مقياس لدرجة اللون حتى يستطيع تمييزك عن باقي إخوتك، عندما يكون الفعل العنصري موجهًا من الآخرين فإنك ستتفهم أن الآخر لم يستطع  فهم هذا الاختلاف، ولكن عندما يكون الفعل العنصري موجهًا من نفس الشخص الذي تشاركه العرق واللون والسِحنات فهذا هو المضحك المبكي. 

فليتقدم الأقل سوادًا، هذه الجملة رغم عمقها ولكن لا يملك أحدًا الجرأة لنطقها  عندما يوجه لك فعل عنصري ولكن يمكنك أن تراها في نظرات عينيه المليئة بكُره الآخر، أو تتحسسها في مزاح أحد أصدقائك وهو يدسها وسط أحاديثه معك ويُغلفها بضحكة جوفاء تغادر شفتيه كسهم يخترق قلبك، ولكنه لن يجرؤ على نطقها يومًا لأنها ستُوجه له يومًا ما أيضًا من صديق آخر أقل سوادًا منك ومنه، كلمات مثل فأر أو عبد أو خادم أو حتى الحشرة السوداء كلها أسهم من نار العنصرية تُوجه لك وتسمعها كل يوم من آخر تشاركه الطعام والشراب، مهما كانت حظوظك سيئة في هذه الدنيا فلن تكون أسوأ من الشعور الذي يواجهه سوداني أسود البشرة ذو شعر مجعد يسير في شوارع وطن اسمه السودان. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد