غالبًا ما يعتقد كثيرون أن العنصرية ترتبط بالدول التي يشاع فيها الجهل وينتشر بها الفقر فقط، وتبتعد كلما ازدادت الدولة تقدمًا وتطورًا تكنولوجيًّا أو تقنيًّا أو حتى علميًّا واقتصاديًّا، وهو المفهوم الذي يشوبه بعض الخطأ؛ فتلك العوامل مجتمعة قد تقلل من العنصرية ولكنها لا تمحيها من النفوس، فزيادة دخل الفرد لن تغير نظرته للآخر، بينما العلم وهو الأهم لمفعوله السحري على العقول فقد يفشل أحيانًا أيضًا مع أولئك الذين يحملون العلم كالأسفار لنقله إلى غيرهم دون الإيمان به، لذلك فالعنصرية لا ترتبط في حقيقة الأمر ارتباطـًا وثيقـًا  إلا بعدة مبادئ إن وُجدت انتفى أي شكل من أشكال العنصرية، والتي بدورها لا ترتبط بالمال أو الثقافة الذين قد يصقلاها ولكنهما لا يصنعاها داخل الإنسان، وتتمثل واضحة في الإيمان بالعدل والحق والسلام وقبل كل ذلك الإنسانية أفعالًا وليس أقوالًا.

فالهند وبالرغم مما عانت منه لسنوات جراء الصراع العنصري والطائفي حتى كان الانفصال عام 1947، إلا أنها تعد اليوم من أكثر دول العالم تعددية في الأعراق واللغات والديانات، حيث تتوزع أعراق سكانها بين الدارفديين والآريين واليونانيين والمغول والمنحدرين من وسط آسيا ومن العرب والترك والأفغان، إلى جانب التعدد اللغوي الذي يكاد لا ينتهي حيث يُنطق في الهند بأكثر من 400 لغة يتداولها السكان هناك، أما التعدد الديني والذي يعد الأهم باعتباره المتسبب الأول في أغلب الصراعات والنزاعات في كثير من الدول بعد السياسة، بالإضافة إلى تاريخ الهند القديم والمعروف في هذا الشأن، فنجد أن الهند اليوم أصبحت تضم جميع الديانات الكبرى في العالم مثل الهندوسية وهي الديانة الأولى للبلاد، والإسلام والمسيحية والبوذية والسيخية واليانية والجينية والعديد من ديانات الأقليات الأخرى، وتعتبر الهند أكبر دولة من حيث عدد المسلمين بعد إندونيسيا، وتضم إلى جانبها أكبر عدد لأتباع الكنيسة السريانية.

ورغم ذلك التعدد المذهل والكم الهائل من الاختلافات بين أبناء الوطن الواحد والتي تطال ثوابت الإنسان الأساسية وتؤثر بالتبعية على عاداته وأسلوب حياته وممارساته اليومية وتخطيها مجرد اختلاف على وجهات النظر، ومع وجود نسب ليست بالقليلة من الفقر والأمية في دولة عدد سكانها تعدى حاجز المليار و252 مليون نسمة، إلا أن ذلك لم يعكر صفو السلام والتعايش أو يزعزع من أواصر التفاهم والوئام والتسامح، ومبدأ احترام اختلاف الآخر الذي يعم المجتمع بكافة أطيافه دون الانتصار لفئة على حساب اضطهاد أخرى، وكان ذلك نتيجة لتصدي الدولة الصارم لأية محاولات من شأنها أن تهدد ذلك السلام والتي قد تتمثل أحيانًا في حوادث متفرقة تعبر عن أشخاص وليس فكرًا سائدًا، بالإضافة إلى القوانين الحازمة التي تُحكم السيطرة على ذلك التنوع الهائل وتحفظ حق كل فرد في الاختلاف، حيث تنص الفقرة 295 في الدستور الهندي على أن كل محاولة بسوء نية أو بقصد مبيت للمس بالمشاعر الدينية لفئة من المواطنين سواء بالكلمة المنطوقة أو المكتوبة أو بعلامات أو سب؛ سيكون المتسبب بها تحت طائلة القانون ويكون ذلك إما بالسجن ثلاث سنوات وإما بغرامة مالية وإما الاثنين معًا.

وهو القانون المطبق بالفعل على أرض الواقع وليست مجرد شعارات رنانة يحفظها المسؤولون لإلقائها في كل مناسبة وطنية في محاولة منهم لإقناع الناس بها دون البدء بأنفسهم، وهو ما كان جليًا في رد فعل السلطات الهندية على الفيلم المسيء للنبي محمد، حيث لم تكتف الدولة التي يُعد المسلمون فيها أقلية أن تشجب وتستنكر كدول الأغلبية، وإنما حظرت كل المواقع الإلكترونية التي بثت الفيلم، كما حجبت بشكل مؤقت موقعي الفيسبوك واليوتيوب كضمان لعدم انتشاره وإثارة الفتن، وهو ما قد تعتبره بعض الدول اعتداءً على الحريات، في حين اعتبروه حفاظـًا على السلام العام والأمن واحترام المواطن وكرامته الذي توليه الأولوية حيث الدستور والقانون فوق الجميع، ولم يكن ذلك بعيدًا عن موقف الصحفي الهندي السيخي «خوشوانت سنج» الذي رفض طلب صحيفته بعرض رواية مسيئة للمسلمين والتي مازالت ممنوعة حتى الآن، حيث يؤمن الشعب كالسلطات تمامًا بأن حرية التعبير لا تعني استباحة كل شيء أو التحقير من شأن الآخريين أو مس مقدساتهم وما من شأنه إثارة مشاعرهم.

أما الشأن السياسي الداخلي وعلى قدر ما يوجد به من اختلاف بين العامة في وجهات النظر التي لا تصل إلى حد التعصب بينهم، فنجد الانتخابات الهندية -أكبر عملية اقتراع وأطولها في العالم-  تتم دون حراسة أو تواجد أمني مكثف أو اقتحام للمراكز الانتخابية أو تزوير في الأصوات التي تتم بنظام إلكتروني، حيث تتم العملية بشكل ديمقراطي راق على عكس ما يحدث في الدول العربية الذين اعتادوا جميعًا النظر إلى الهند بعين القلة والاستهانة، وهي التي تعتبر أسرع الاقتصادات الكبرى نموًا في العالم، ولا يمكن الحديث عن التعايش في الهند دون التطرق إلى ولاية البنغال الغربية، والتي يدين غالبية سكانها بالهندوسية؛ حيث نجد المدارس الإسلامية هناك والتي عُرفت على أنها منارات التسامح والاحترام الديني والعرقي، فتضم من بين تلاميذها البالغ عددهم 400 ألف أكثر من 25% منهم من غير المسلمين بالإضافة إلى 15% من مدرسيها أيضًا.

ولم تصل الهند إلى ذلك رغم ما شهدته من صراعات دامية قديمًا إلا لما انتهجته من أساليب ردع قوية لم تسمح من خلالها لأية فئة أغلبية كانت أو أقلية بإهانة الآخر لاختلافه العرقي أو الديني وتحت أي مسمى كان، وهو ما انتقل بالتدريج إلى الشعب الذي اعتاد الاختلاف وأيقن أنه ليس مبررًا للإهانة أو الاضطهاد، وهو ما يعتبر النقيض تمامًا لكثير من الدول التي تسمح بإهانة الآخر والسخرية من مقدساته تحت مسمى حرية الرأي والتعبير ورفض رد فعله الغاضب مما يعزز من شعوره بالاضطهاد، أو دول أخرى تنص القوانين والعقوبات ولكن دون تفعيلها بما ينمي لدى أفرادها الاستهانة بالفعل وتأثيره النفسي على الآخر لعدم وجود عواقب تطاله من ذلك مما يجعل من مقولة من أمن العقوبة أساء الأدب خير وصف للغالبية فيها وأبرز مثال على تدهور حالهم.

وفي الوقت الذي تمكنت فيه الهند بنوايا جادة من القضاء على الجزء الأكبر من آثار العنصرية المتبقية لديها بفعل الحروب، دون إحداث جلبة أو ضجة لجذب انتباه العالم لها، كانت هناك أمريكا التي تسير في الاتجاه المعاكس من ذلك تمامًا، حيث صبت الإدارة الأمريكية جل اهتمامها على رسم صورة الدولة العظمى المثالية المتطورة والمتقدمة في كل المجالات ولا سيما العسكرية، دون محاولة جادة في محو آثار العنصرية المغروسة في نفوس الكثير من الشعب وعقولهم وفي مقدمتهم المسؤولين، بالإضافة إلى القوانين غير المنصفة في كثير من الأحيان بما يغذي جذور العنصرية التي لم تنبع من حرب وإنما من الشعور بدونية الآخر، حيث إن أبرز أنواع العنصرية المنتشرة هناك هي عنصرية اللون والتي تعد الأسوأ لسطحية وتخلف عقلية صاحبها الذي ما زال يفرق بين البشر بناء على لون بشرتهم.

فأمريكا التي بنت حضارتها على جثث الآلاف من السود الذين قامت بسرقتهم ونقلهم من أفريقيا كعبيد في القرن 18 ما زال الكثيرون فيها يربطون بين البشرة السمراء وزمن العبودية والطبقات الدنيا من المجتمع، بل يقبع في ذاكرتهم ولو دون وعي «أوتا بينجا» القزم الأسود الذي تم شراؤه من سوق العبيد بالكونغو عام 1906 لينتهي به المطاف في أمريكا في حديقة الحيوان ليُعرَض على أنه الحلقة المفقودة بين القرد والإنسان.

وعلى الرغم من أن التمييز العنصري تم حظره رسميًا في منتصف القرن العشرين إلا أن الحد الذي قد وصلت إليه بشاعة العنصرية آنذاك لم يكن بالشيء السهل نسيانه دون أن يُخلّف وراءه كثيرًا من الآثار وكثيرًا من النفوس التي تأبى المساواة وترى أن ما وصلوا إليه اليوم يُعد معجزة مقارنة بوضع أسلافهم ولا بد لهم من الرضا دون طمع، بالإضافة إلى سياسة التفرقة بين الشعب التي تمارسها السلطات والتي تتمثل في عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية والتقسيم الطبقي في فرص العمل والسكن والتعليم وإهمال المناطق والأحياء السكنية للسود، لذلك نجد اليوم أن عدد العاطلين عن العمل من ذوي البشرة السمراء يبلغ ثلاثة أضعاف أقرانهم من ذوي البشرة البيضاء، في حين أن كثيرًا ممن يعملون يتقاضون أجورًا أقل مما يتقاضاه البيض بنسبة 20% وذلك لعنصرية الشركات في الاحتكام للعرق، كما تشير الإحصائيات أن من بين كل عشرة سود يعيشون هناك ممن تجاوزوا سن الثلاثين هناك واحد منهم على الأقل في السجن بسبب أوضاعهم التي أودت بهم إلى ذلك، فنسبة الفقراء السود أكبر بثلاثة أضعاف من البيض و37% من الأطفال السود يعيشون تحت خط الفقر.

وبالتالي كانت النتيجة الطبيعية لتلك الإحصاءات أن نجد انعكاسها على أرض الواقع بسبب تفاقم شعور البيض بالأفضلية وعدم تحرك الحكومة إزاء ذلك بل انغراسهم فيه، ففي ولاية ميسوري عام 2014 وبالتحديد في مدينة فيرجسون قتل أحد الضباط الشاب الأسود الأعزل مايكل براون بست رصاصات في مدينة 67% من سكانها من السود بينما 94% من رجال الشرطة فيها من البيض، والذي لا يرمز هنا إلى التعايش وإنما إلى مزيد من الاضطهاد والسيطرة، فنجد أن في عام 2013 وفي المدينة نفسها بلغت نسب تفتيش واعتقالات سائقي السيارات بين السود 93% رغم أن عدد المخالفات التي ارتكبوها كانت 22% مقارنة بمخالفات البيض التي بلغت 34%، ولم تكن حادثة مقتل براون فريدة من نوعها حيث قُتل في العام نفسه أيضًا إريك جارنر خنقًا على يد شرطي، وقد سبق ذلك عام 2012 حادثة مارتن ترايفون، ولحقها عام 2015 فريدي جراي، والذي سبقهم جميعًا رودني كينج عام 1992، ومن اللافت أن جميع رجال الشرطة المدانين في تلك القضايا تمت تبرئتهم.

وكان الاعتراف الأكبر أمام العالم بعمق مشكلة التمييز العنصري وتوغلها في المجتمع الأمريكي وكونها تتعدى مجرد حالات فردية من خلال مقاطعة مهرجان جوائز الأوسكار العام الجاري من قبل كثير من الممثلين، والتي تعد الجائزة والمهرجان الأهم في قطاع السينما في العالم وذلك لخلو قائمة الترشيحات للجائزة من أصحاب البشرة السمراء للسنة الثانية على التوالي، هذا بالإضافة إلى مسيرة المليون رجل عام 2015 التي نظمها أمريكيون من أصول أفريقية ليطالبوا بالعدالة ووقف الاضطهاد والممارسات العنصرية ضدهم، وقد تجاوز عدد المشاركين فيها أكثر من 800 ألف، وهم الذين كانوا جميعًا على اعتقاد أن اختيار رئيس من بينهم للبلاد سيغير من أوضاعهم فكانت النسبة الساحقة من الأصوات التي انتخبت أوباما من السود -وهو ما اعتبره كثيرون تأكيدًا على العنصرية الواقعة عليهم لاحتكامهم في اختياره للعرق وليس لكفاءته فقط- ولكن ما لبثوا أن اكتشفوا أن شيئًا لم يتغير، لتثبت الدولة العظمى للعالم أن حقوق الإنسان والدفاع عن الحرية والديمقراطية التي تُشعل الحروب لأجلها هي مجرد شعارات سياسية تتغنى بها وقتما تريد، في حين تتفشى العنصرية الحقيقية داخلها دون أن تحاول التفرغ لها ومحاربتها هي أيضًا بقدر ما تحاول إخفاءها، فمن يحارب من أجل قضية لا بد أن يؤمن بها وبحقوق من يناصرهم وهو العنصر المفقود لديهم.

لتبقى الهند وأمريكا في النهاية نموذجين لكسر قاعدة الاقتداء بالدولة الأكثر تطورًا وتقدمًا فقط، ومن يتمكن من فرض سيطرته على العالم، دون الالتفات والاقتداء بالدول الأخرى التي قد تكون أقل تطورًا، ولكنها بالتأكيد أكثر تحضرًا وميلًا للسلام، وأن كثيرًا من الدول ومهما بلغت من التقدم لا بد أن تعاني من العيوب، وإن ادعت غير ذلك فإخفاء العيوب لا يعني انتفاءها، وإنما العجز أمامها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد