لم تكن العنصرية يومًا إلا «مرض الإحساس بالنقص» يصيب الجهلاء ويصمت عنهم العقلاء فيغلبونهم بسبب صمتهم على جهلهم فيعتقد الجاهل بأنه على صواب، وهنا تكون بداية عصرهم وتخلفهم في نبذ كل من يختلف عنهم دينيًا أو ميول أو معتقد أو من هم أقل منهم في النسب والعشيرة أو أكثر حتى إن كانوا من غير جنسيتهم أو من جنسيتهم ويشرعون لأنفسهم أسباب خاطئة ويرونها صحيحة فيكون هناك تأثير وتحريض من قبل الأشخاص العنصريين أو الشخص العنصري الذي لا يتقبل اختلاف الآخرين عنه.

ويؤثر هذا الشخص بتصرفاته الخاطئة على زوجته أو أبنائه أو أقاربه أو أصدقائه، ويحاول أن يزرع فيهم نبذ الآخرين لمجرد اختلافهم عنهم بأي شكل من الأشكال ويشرع أسباب مختلفة لأن هذا الشخص دينه مختلف عن دينه الذي ينتمي إليه أو لأن هذا مسيحي أو يهودي أو هذا مسلم، سنيًا كان أو شيعيًا، أو صفويًا، أو أباضيًا، أو غيرها من المذاهب والطوائف والمعتقدات أو هذا دون معتقد أو هذا لديه أو لديها ميول جنسية وينتمي أو تنتمي لمجتمع الميم أو هذا لديه لون بشره مختلف أو هذا مهاجر أو مقيم في بلد يحمل نفس جنسيتها أو هذا مواطن، ولكن من قبيلة غير قبيلته، أو عشيرة غير عشيرته، أو هذه امرأة، وهو رجل ويعتقد بأنه يحق له ما لا يحق لغيره، وهنا يبدأ بممارسة عنصريته المتخلفة دون أن يبالي بما قد يشعر به المقابل من أسى أو قهر أو ظلم أو جرح لمشاعره أو تعدي على حقوق الآخرين المكفولة في العرف العالمي والقانون الدولي.

قد يتسبب العنصري في انقسام المجتمع ويكون حقق هدفه إذا لقي من يستمع لسمومه أو ينصت لأفكاره، وقد يكون الشخص الضحية يتأثر بتصرفات العنصريين ويحاول أن يقلدهم ويقصي كل من حوله، وللعنصرية أسباب كثيرة أبرزها صنع مكاسب سياسية وهي الرائجة، بل الأكثر رواجًا أو مكاسب حزبية أو ربما تصرفات شخصية من أجل صرف الأنظار عن ما يهم حياة الإنسان واولوياتهم المشروعة في العيش بحرية وكرامة ومساواة بين جميع أطياف المجتمع الذي يعيش فيه دون التفرقة بأي شكل من الأشكال.

لا يعلم العنصري بأن العنصرية هي سلاح بعض السياسيين قد يسعون فيه الى تثبيت فكرة عنصرية، وإقناع العنصري بأن هذا الشخص، سواء ذكر أو أنثى قد يختلف عنه ولا يحق له أن يتساوى معه بجميع الحقوق، بل يزرعون في عقول العنصريين بأن الشخص المقابل أن اختلف معهم فهو أيضًا لا يستحق فقط الظلم والتمييز، بل يصل إقناعهم إلى حد أن المختلف عنهم ربما لا يستحق الحياة.

من يزرع العنصرية سيحصد حتمًا سلب حقوقه كما طالب بسلب حقوق من يختلف عنه بحجة أنه هو الأحق من غيره، جهل قاتل وفشل ذريع وسبات عميق لا يفيق منه، إلا بعد أن يتحسر على ما فعل في وقت لا ينفع فيه الندم، العنصري أسهل أداة في يد السياسي الذي يريد مكاسب سياسية قد يصرح السياسي بأنه عنصري ويهاجم المهاجرين بأنهم سبب في كذا وكذا، ويأتي بأحد العنصريين من ضحايا أفكاره ويحرضه على فعل عنصرية ما، ليخرج بعدها مصرحًا ومستنكرًا بأنه يحارب العنصرية ويكسب الأصوات التي تؤيد العنصرية والتي لا تؤيدها فيجمع بين مع من يتفق معهم ومن يختلفون عنه بفكره الفاشل وهو في الأصل من سعى لذلك التأجيج ليصرح بعدها بأنه ينبذ العنصرية.

لا يقدم أحدهم على أمر فيه تعدي على حقوق الآخرين باسم السياسة أو غيرها إلا بأنه سيجد من يمارس معه نفس العنصرية التي سعى إلى نشرها ودعمها ولم يحاربها أو يتوقف عن نشرها ما سعى إلى محاولة هضم حقوق من يختلفون عنه، عليه أن يعي بأن العنصرية جهل وجهالة، والعنصري شخص قد غلب على حقده وحسده من الاخرين لما وصلوا إليه من نجاحات أو إنجازات لم يحلم يومًا بأن يصل إلى جزء بسيط من نجاحات من يختلف عنهم لذلك تجده يحاول أن يلهث حقدًا على من اختلف عنه حتى فقد عقله في فهم كل من اختلفوا عنه وفقد بصيرته في النظر إلى حقوق من حوله بأن لهم حقوقًا كما يحب لنفسه، قد عميت أبصار العنصريين عن الحقيقة التي يجهلونها، وهي أن يتساوى جميع الناس في كل شيء ولهم حقوق متساوية وأن تحترم دياناتهم جميعها حتى وإن كانوا دون معتقد.

لا تحارب العنصرية إلا بقانون يعاقب على من يدعو لها أو يروج باسمها، سواء ساسة أو سياسيين أو عامة الناس، فإن العنصرية وإن كانت ظاهرها دعايات للسياسيين ومكاسب لأصوات من يؤيدهم أو يختلف عنهم، إلا أنها في واقع الحال أثرًا سلبيًا يجر فعلها وممارستها إلى فعل ما هو أسوأ على كل المجتمعات التي لا تحارب العنصرية بقانون صارم، قد يمتد إلى أبعد من كسب أصوات في انتخابات ما لأنها ستوهم العنصريين بأن تصرفاتهم صحيحة وقناعاتهم واقع في حال فاز من رشح نفسه كمسؤول باسم العنصرية، وإلا فكيف فاز؟

لذلك إذا لم تشرع قوانين صارمة بحق كل من يصرح قولًا أو يمارس فعلًا نوعًا من أنواع العنصرية أيًا كانت، ومعاقبته فقد يصل بهم الحال باسم القانون إلى القناعة بأنه تصرف وحرية شخصية، إلا أنه في الواقع مرض يصيب المجتمع ويجعله يأكل بعضه بعضًا، ودون محاربة العنصرية بالقانون لن يكون هناك حل لمحاربة العنصرية التي إلى هذا اليوم تجدها في كثير من الأماكن تمارس دون روادع واضحة أو قوانين صارمة تفرق فعلًا وقولًا بين العنصرية والحرية الشخصية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد