كان هنالك شخصٌ ما، في مكانٍ ما وفي زمنٍ عبر هذه الأزمان يطمح للوصول إلى مرتبة عالية، منذ صِغَره كان يحلُم أن يكون طبيبًا أو مهندسًا أو حتى أن يكون طيارًا، يحلم بكل شيء وأي شيءٍ، كل ما يشغل تفكيره هو كيفية الوصول إلى القمّة. كَبُرَ الصغير وكَبُرَت احلامه معه، كَبُرَ معه عالمه الصغير البريء الذي لم يكن يتخيّل أنه سيكون بهذه البشاعة في يومٍ من الأيام. دخل المدرسة، ليرى أنه يُعامَل باختلافٍ عن باقي الطلاب، البعض رفض صداقته، حتى أن المعلمة كانت تقبل مشاركة الجميع إلا مشاركته وكانت تشجع الجميع ما عداه هو!

نظر الطفل حوله ليرى مستغربًا سبب هذه العزلة التي يضعها البعض حوله على الرغم من عدم تعاملهم معه، دقق النظر باحثًا عن السبب، فهو يملك عينين كباقي الأطفال، ويدين وأقدام كالجميع فلم يراه البعض غريبًا؟ سأل الولد الأهل والمعلمة لكنه لم يجد جوابًا شافيًا، فقرر أن يسأل زملاءه في الصف فهم أطفالٌ مثله، لكنه حصل على إجابة لم يكن يتوقع أن يحصل عليها، هزّ الولد رأسه مستغربًا وقال: «لم أفهم؟!».

فأعاد زميله في الصف الإجابة قائلا: «أنت مختلف، أنا أبيض وأنت أسود، لذا ابتعد عني».

تلك القصة هي قصة كل طفل يعيش تحت سقف مجتمع عنصري وشعب متشدد فكريًا لا يميّز الصواب من الخطأ، ولعل قضية التمييز بناءً على الدين والنسب والمكانة تقع في جهةٍ من هذا الكوكب، وقضية التمييز بناءً على العِرق واللون التي ليس للإنسان يدٌ في اختيارها تقع في جهات متعددة من هذا العالم، وفي عقولٍ ُيعشش فيها الجهل والتخلف والرجعيّة، وإن كنت عزيزي القارئ من هذه النوعية، فهذا المقال يخُصّك تحديدًا، فأهلًا وسهلًا بك في عالم الظلم الذي تشارك أنت فيه بنسبة كبيرة، والذي بسببه تقود فئة لا بأس بها إلى الانتحار.

معنى أن تكون شخصًا عنصريًا هو أن ترى نفسك أو جماعتك أو فئتك أفضل من الفئات الأخرى في المجتمع، أن ترى الآخر الذي خُلِقَ مثلما خُلِقت، أقل منك تقديرًا ومكانة لسببٍ ما لم تكن ستحصل عليه لولا فضل ربك. أن تعاير إنسانًا لأنه مختلفٌ عنك فهو المعنى الجوهريّ بأن تكون عنصريًا، ويتمركز معنى العنصرية بين المجتمعات التي تضم أعدادًا كبيرة من السكان من مختلف الأصول والمنابت، لكن كيف نشأت هذه الفكرة بين من يسكنون على أرضٍ واحدة؟!

بدأت أصول العنصرية وربما تمركزت وترَسَّخت عندما احتلّت أوروبا أفريقيا، حينها طالت أيام الاستعمار الأوروبي للسكان الأصليين وقرروا إصدار ما يسمّى «بسياسة التفرقة العنصرية» التي تقوم على أنّ الأفارقة هم شعوب بحاجة إلى التحضّر، وأنهم يحتاجون إلى الأوروبيين لتحسين احوالهم وتطوير حياتهم، ومن هنا ظهرت فكرة أن السود هم أشخاص ضعيفون فكريًا وأنّ البيض أذكى وأنضج، استمرت عمليات القمع للسكان الأصليين حتى وصل الأمر إلى منعهم من الانتخاب وجمعهم في أماكن خاصّة لفصلهم عن البيض، ومنعهم من أخذ حقوقهم الرسمية، وبدأ عهد العبيد، فالإنسان الأسود يباع في سوق العبيد إلى أحد الأغنياء ليضع طوقًا حول رقبته باسم مالِكه، ليصبح بعدها خادمًا ومُلكًا لهذه العائلة التي تدّعي النُبل.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، حتى يفرض الأمريكان البيض سيطرتهم على السود ولإخافتهم وإجبارهم على الخضوع لسياساتهم تم نَصب مشانق خاصة لِمَن ينتهك الأوامر أو يحاول المناداة بحقه، ليتم ضربه وتعليقه على مِشنقة أمام مَرأى السكان البيض الذين كانوا يَعدّونه إنجازًا عظيمًا!

وكان الهدف من ذلك كله هو كَسر المواطن الأمريكي الأسود لزعزعته داخليًا، وجعله يوقن أنه أقل قدرًا وأضعف موقفًا من المواطن الأمريكي الأبيض.

استمرت النزاعات في أمريكا وعَلت الأصوات فيها، لتنشب الحرب بين جزئها الشمالي والجنوبي، فالجنوب كانوا يعتمدون على العبيد في البناء والزراعة والإنتاج، بينما الشمال كانوا يحاربون فكرة الرِق التي برأيهم هي فكرة لا تناسب القرن الذي يعيشون فيه وما هي إلا انتهاكات بحق هؤلاء المواطنين. لم يُعجَب أهل الجنوب بهذه المطالب ليأتي الرفض وتقوم بعدها الحرب الأهلية الأمريكية التي تُعَد من أكثر الحروب دموية على مَرّ العصور والتي راح ضحيتها أكثر من ٨٠ ألفًا من المستعبدين.

ولا زالت تعاني أمريكا والعالم أجمع إلى يومنا الحالي من تَبِعات التمييز العنصري، فالمواطن الأسود في بعض البلدان لا يحصل على حقه كاملًا، وقد تجري له مقابلات عمل منفصلة عن مقابلات البيض، حتى وإن كان يملك الشخص الأسود شهادة علميّة عالية فقد لا يحصل على نفس المميزات التي يحصل عليها الأبيض، ناهيك عن التمييز في أمور العلاجات الصحيّة، والتعليم، ولجوء وسائل الإعلام إلى تعزيز التفرقة من خلال الدعايات الممنهجة لتفريق الشعوب وغيرها من الأمور الكثيرة.

إن كان لا يزال من يشكك بقوّة وقدرة الإنسان الأسود فهو غافلٌ لا محالة، فالعالم قد حصل على مجموعة مميّزة من العلماء والفنانين والقادة والأطباء السود الذين سطّروا نجاحاتهم بِعَرَق جبينهم، فلا ننسى الملاكم «محمد علي» البطل الذي أبهر العالم بقوته وحنكته،
ولا ننسى الزعيم والناشط السياسي الابن «مارتن لوثر كينج» الذي حارب وجاهد ليحصل السود على حقوقهم، ولا يُمحى من الذاكرة «نيلسون مانديلا» أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا، ونجاحات «أوبرا وينفري» ومحاولاتها المستمرة لتحقيق إحلامها، ويبقى الداعية الإسلامي «مالكوم إكس» وصراعاته لإنقاذ حق الإنسان الأسود مزروعة في ذاكرة كل إنسان من أيّ عرقٍ كان، ومن أقواله: «إن حسن المعاملة لا يعني شيئًا ما دام الرجل الأبيض لن ينظر إليّ كما ينظر إلى نفسه، وعندما تتوغل في أعماق نفسه تجد أنه ما زال مقتنعًا بأنه أفضل مني».

لو أنّ كل عنصريّ سأل نفسه إن كان يرضى بأن تُقام عليه هذه الفظائع والجرائم فقط بسبب لونه أو دينه فهل سيقبل بهذا الظلم؟
كلنا بشر من لحمٍ ودم، خُلِقنا من طين، ولكن بعض البشر الذين تجردوا من إنسانيتهم اتّبعوا جهلهم وقِلة وعيهم ومن المؤسف أنّ من تحمّل تَبِعات جهلهم هم غيرهم من البشر.

قال صلى الله عليه وسلم: «لا فضل لعربيّ على أعجميّ إلا بالتقوى».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد