منذ أيام توالت الأخبار عن إقدام الطفل وائل السعود ذي التسعة أعوام على الانتحار شنقًا، في ولاية كوجالي التركية، والسبب حسب ما قاله والده في مقابلة «مضايقات حصلت مع زملائه في المدرسة، وتوبيخ أحد الأساتذة»؛ مما عمق إحساس وائل بالعنصرية والتنمر الذي يعيشه، فلم يبق أمامه إلا الانتحار أمام باب مقبرة للتخلص من هذا الشعور البغيض.

وائل هرب من الموت، حاله كحال بقية أطفال سوريا، التي تعيش حالة صراع بين نظام فاشي قاتل، وبين شعب رفض الذل، مطالبًا بأبسط حقوقه؛ ليرى نفسه أمام طاغوت وقفت معه كل الدول، سواء كانت عربية أم غربية، فلم نسمع منهم سوى عبارات الشجب والتنديد، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، هرب وائل إلى دولة دائمًا ما تغنت بالديمقراطية، ليواجه الموت في جهة ظن والده أنها أكثر أمانًا، لم يمت ببراميل الأسد، ولا بصورايخ طائرات روسيا، بل مات بعنصرية الإنسان والمجتمع.

لعل العنصرية باتت أقوى من أي سلاح فتاك؛ فلم تكن قصة وائل هي القصة الوحيدة التي أدت إلى الانتحار في سبيل الخلاص؛ فبحسب موقع «DW» أقدمت طفلة ألمانية عمرها ١١عامًا على الانتحار بسبب المضايقات التي تعرضت لها من أقرانها في المدرسة، وتولت الشرطة التحقيق في الموضوع، إذ تبين أنها كانت تتعرض للتنمر من قبل زملائها.

وفي قصة أخرى، حسب موقع قناة العربية، «تناول ناشطون أردنيون على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لطفل أردني يتعرض للضرب من قبل رجل تركي، في مدينة مرسين التركية، دون معرفة السبب الذي جعل هذا الرجل يتعرض للطفل ووالدته، إذ دفعها لترتمي أرضًا لا حول لها ولا قوة إلا السكوت».

سخرية وتعنيف وألقاب مهينة، واستعلاء وتعليقات محرجة وضرب، أهوال يعاني منها أطفالنا في الدول التي لجؤوا إليها، سواء في تركيا، أو لبنان، أو باقي الدول، مما يؤثر في حياتهم النفسية، فالذي عجزت الحروب والصراعات على فعله بقتلهم، أتت العنصرية لتفعله بكل سهولة؛ فبعض كلمات الكراهية قادرة على سلب حياة طفل بريء، وتدمير عائلة كاملة.

إلى متى نعلم أطفالنا كره الغير والحقد؟ إلى متى نعلمهم التمييز والتنمر، أما آن الآوان أن نعلمهم أن الشعوب كلها متساوية في الحقوق والواجبات، وأن لكل طفل في العالم الحق في التعلم والحياة والأمان والعيش المشترك، بغض النظر عن العرق والدين واللون والبلد؟ أما آن الآوان لأن نرسخ في عقولهم المحبة؟

لا يمكن أن نقضي على العنصرية إلا عن طريق العلم وزرع المحبة في قلوب أطفالنا، فلا يمكن أن نحب الله ما لم نحب الخلائق جميعًا، بكل أطيافهم وثقافاتهم وقومياتهم، وأن نترفع عن التعالي على الناس، وكسب مودتهم ومحبتهم؛ لأن العنصرية لا تأتي بالفطرة، بل إنها مكتسبة، فكيف لطفل أن يحقد على طفل، وكيف لطفل أن يتنمر ويكره طفلًا آخر.

لم تقتصر العنصرية على المجتمعات في حياتهم اليومية فحسب، بل تنوعت لتشمل وسائل التواصل الاجتماعي، مما سهل تنوعها وانتشارها؛ فدائمًا ما نرى قصصًا عن التنمر والعنصرية في السوشيال ميديا، منها ما أدى إلى الاكتئاب، ومنها أدى إلى الانتحار.

ولم يتوان المفكرون والحكماء وأصحاب الشخصيات المؤثرة في مجتمعاتنا عن محاربة العنصرية وأنواعها، فقد قال الرئيس نيلسون مانديلا:
«أنا أمقت العنصرية؛ لأنني أعتبرها شيئًا من الهمجية، سواء جاءت من رجل أسود أو رجل أبيض».

وعبر نيوكلاس غوميز دافيلا عن مقت العنصرية ومن يمارسها قائلًا:
«يتضايق العنصري لأنه، في سرّه، يخامره الشك بمساواة الأعراق، وينزعج المعادي للعنصرية لأنه يرتاب خفيةً من ألاّ تكون الأعراق متساوية».

وقال العالم المصري عبد الوهاب المسيري «الدولة التي لا يمكنها البقاء إلا من خلال قوانين عنصرية لا تستحق البقاء»

وأخيرًا نطالب كل الجهات المعنية والدول التي ينطلق منها المهاجرون ودول العبور، الوصول إلى اتخاذ إجراءات محددة من أجل حماية هؤلاء المهاجرين بشكل خاص.

كما نطالب بإقامة طرق آمنة ومنتظمة للأطفال، وإيجاد بدائل لتوقيف الأطفال المهاجرين، ومحاربة معاداة الأجانب والتمييز العنصري بحق كل المهاجرين واللاجئين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد