لو دققنا في الدوافع الحقيقة لكثير من الحروب والفتن والاضطرابات التي اكتوت البشرية بنيرانها قديمًا وحديثًا، لوجدنا كثيرًا منها قد تسببت به «العنصرية»، والتعصب الأعمى، إما للعرق والأصل، و إما اللون وإما للجغرافيا! حروب العرب قبل الإسلام كحرب البسوس وداحس والغبراء، كلها نتجت عن حمية جاهلية، وعصبية قبلية بغيضة، دون أن يكون هناك أسباب منطقية لاندلاعها، ولو أخذنا الحرب العالمية الثانية مثالًا في عصرنا الحديث، وهي الحرب التي خلفت عشرات الملايين من القتلى، لوجدنا أن العنصرية هي السبب الحقيقي لاندلاعها! فكرة تفوق الجنس «الآري» التي ابتدعها النازيون كلفت البشرية كل هذا الخراب والقتل.

لم أهتم يومًا أن يكرهني أحد؛ لأنني لست شخصًا كاملًا ولا ينبغي لي! الحب والكره مشاعر خاصة، تتولد من قناعات خاصة، وهذه المشاعر قد تكون محقة، وقد لا تكون، وهذا أمر لا يهم كثيرًا! مشكلتي الكبرى مع نوع واحد فقط من الكره، الكره المتولد من «عنصرية»! ليس للكره بحد ذاته، بل لأن المنطق الذي تولدت منه هذه المشاعر منطق أعوج وأعرج وأهوج! العنصري لا يبني كرهه على فرضيات صحيحة؛ لأنه شخص يعيش بأحكام مسبقة على الآخرين، ولا يرتكز على حجة صحيحة يقبلها العقل!

اللون، الأصل، البلد، الشكل، العرق… إلخ، كل هذه الديكورات ليست أسبابًا «عقلية» ولا تعطي «الأفضلية»! إذا كانت هذه أسباب تبنى عليها مشاعرك ونظرتك إلى الآخر فإن النتيجة الحتمية هي أحكام خاطئة وبشدة! هذه الأحكام الخاطئة تكشف عن شخصيتك بوضوح، أنت إنسان لا تحتكم للعقل، ولا تستخدمه بشكل صحيح، وبالطريقة التي أرادك الله أن تستخدمه! عقلك الثمين وضعته على الرف، وأبدلته بمقاييس منحازة لا تصلح لتقييم الناس! أنت اتخذت المسرب الخاطئ منذ البداية، ولن تصل إلى الحكم الصحيح مهما حاولت.

قال المتنبي يومًا:
وإذا كانت النفوس كبارًا … تعبت في مرادها الأجسام
وأظنه لو رأى ذوي التفكير المحدود في أيامنا لنسج بيتًا آخر على المنوال نفسه ولربما قال:

وإذا كانت «العقول» صغارًا … تاهت في غبائها الأقوام!

بالنسبة لنا نحن المسلمين، فالموضوع منتهٍ منذ 1400 سنة، «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» فلماذا يصر بعض الناس على استخدام معايير أخرى يشكلون بها نظرتهم إلى الآخر؟ ألا يثقون ويؤمنون حقًّا بكتابهم وعقيدتهم ونبيهم؟ إذا كان لديهم معايير مقدمة على «أتقاكم» فلماذا ينسبون أنفسهم لهذا الدين؟

غربل معاييرك التي تصنف بها الناس، وتخلص من كل الأساطير والخرافات والموروثات المترسبة من عصور الجهل والتخلف، والتي تهيمن على تفكيرك؛ لأنها ستمنحك شعورًا مخادعًا بأنك أفضل من غيرك لأنك فقط من بلد ما، أو لأنك ابن «الجغرافيا» الفلانية، أو لأن لونك «أفتح» من لون غيرك!

كلما أتذكر قصة خلاف أهل المدينة، وكيف خط لهم الرسول الكريم خطًّا واضحًا منذ البداية ليمشوا عليه لا أستغرب عندها أنهم حكموا نصف العالم في سنوات معدودات! لقد فصل الرسول الأمر من بدايته، لا تفاضل بين الناس إلا بالتقوى! فبعد أن بلغه ما دار بين الأنصار أوسهم وخزرجهم من خلاف وصل إلى حد الاقتتال، والذي أوقد ناره أحد يهود المدينة، وهو شاس بن قيس، خرج الرسول إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه، وكان واضحًا وضوح الشمس معهم: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألَّف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارًا؟!».

كلنا مسؤول عما في قلبه! العنصرية المقنعة لا يكاد يخلو منها قلب في هذا الزمن، فلا بد من اجتثاثها وقمعها كلما أطلت برأسها؛ حتى تبقى أحكامنا صحيحة وتناسب العقيدة الربانية التي أكرمنا الله بها! لن نتقدم ولن نعود لمسارنا الصحيح، ولن نصل إلى أن نكون على قلب رجل واحد، ما دامت قلوبنا شتى، وما دمنا نحتفظ ببقايا حمية الجاهلية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد