ليس من السهل التنبؤ بكمية التطرف التي من الممكن أن تعصف بمجتمع ما نتيجة حدث طارئ أو حادثة ترفع مستوى الكراهية والعنفَين الجسدي والكلامي.

إن التطرف ليس فقط تطرفًا دينيًا، ولكن للتطرف أشكالا متعددة منها: التطرف الأيديولوجي، كالشيوعيين المتطرفين والتطرف العرقي, كالألبان في البلقان، إضافةً إلى التطرف القومي لجماعة معينة كوجود متطرفين ومتعصبين فى إقليم الباسك فى أسبانيا.

أما الأخطر الذي نواجه حاليًا، هو التطرف الديني خاصةً تطرف بعض المسلمين، ولست أقول “التطرف الإسلامي”، فهناك فرق بين التطرف الديني النابع من الكتب المقدسة والتطرف النابع من الفهم الخاطئ لهذه الكتب، فكل الكتب السماوية تسمح أو سمحت أحيانًا باستخدام القوة في مراحل وأوقات محددة لا يمكن تطبيقها في العصر الحالي.

بالعودة إلى تطرف بعض المسلمين ومغالاتهم في التطرف، فقد أثبت العالم العربي أنه يحتوى على مخزون هائل من التطرف الديني الذي لا يمكن معالجته بشكل سريع أو على مدار عقود؛ لأنه أصبح جزء من الحياة اليومية لهذه الأمة، وعنصرا من عناصر المؤسسة الدينية الرسمية وغير الرسمية.

إن ما نحتاجه اليوم هو وقف تمدد التطرف واحتواء مقوماته والحد من قدرته على التمدد في المجتمع، وبين شبابنا وبناتنا وأقراننا، فلن تستطيع كل البرامج المحلية والإقليمية والدولية الداعية لمكافحة التطرف وضع حد له، ولكن يمكن احتواؤه وتحويل سير هذا التطرف إلى مجرى آخر؛ يمكن معالجة أثاره وارهاصاته بعيدًا عن إحداث أضرار كبيرة في المجتمع والحد من التحاق أعداد كبيرة مستقبلًا بالمنظمات والأيديولوجيات المتطرفة.

قبل عاشوراء، قامت السلطات المصرية، وخصوصًا دار الإفتاء في القاهرة بإغلاق مسجد الحسين؛ مدعية في بيان لها أن المكان ليس للبدع، وخوفًا وحفاظًا على الأمة من التشيع والشيعة.

كان البيان لاذعًا وبأُسلوب يُظهر الشيعة كأنهم خطر محدق بالأمة وكأن أسباب سقوط القدس واحتلالها واختراع داعش وتمددها هم الشيعة، مجرد صدور البيان بتلك اللهجة التي يجعل من قارئ المستقبل لدعاية خطيرة وبدون علمه سينضم إلى خلايا المتطرفين النائمة، والتي من الممكن أن تقتل بكل سهولة، كما حدث مع بعض الشيعة فى مصر قبل أعوام.

هذا تحريض رسمي علني على طائفة من المسلمين، في ظل الوضع السياسي الراهن في المنطقة، وخصوصًا الحرب الأهلية السورية والتدخل الخليجي في اليمن واستخدام فزّاعة الطائفية؛ لتبرير ذلك تنحدر تلك التحريضات إلى مجريات ترسم معالم التطرف وتزيده ضد الآخرين.

ولم يتوقف التحريض الرسمي عند دار الإفتاء المصرية في القاهرة، بل امتد للمساجد فى مصر والسعودية وفلسطين والأردن والعديد من الدول العربية، فبعد كل صلاة يدعو الإمام على الرافضة والنصارى ويشدد على تقتيلهم، ومن ورائه صوت تأمين المصلين والمتعبدين في دين الإسلام والسلام، راجين من الله أن يقبل دعواتهم وصلاتهم.

وفي ذات الوقت، ومن ذات المنبر، وذات الإمام يتبرأ من داعش ويرفض إلحاقها بالدين الإسلامي! أليس خطابه خطابًا داعشيًا وهو يحرض على الطوائف غير المسلمة؟ أليس هو ذات الخطاب الذي يرفض إلصاقه للإسلام؟

إذا ذاك الطفل الذي يسمع دعاء الإمام والخطيب عن زميله المسيحي في المدرسة أو الحارة، وذاك الشاب الذي يقرأ إعلان دار الإفتاء وهي أعلى هيئة إسلامية يمكن أن يلجأ لها الشخص الذي يحتاج لمشورة في الدين الإسلامي والمعاملات الإسلامية، لسوف يحتفظ بتلك المعلومات ويسترجعها في أول لقاء أو محاورة مع جاره المسيحي أو الشيعي أو ذي الفكر المضاد.

فالإنسان الذي يتلقى معلوماته الدينية مغلوطة، ومن أعلى هيئة إسلامية، ومن أساس المجتمع المسلم (المسجد) ستتزعزع ثقته بالآخرين، وتزداد كراهيته للآخرين بشكل يهدم المجتمع ويوسع مخزون التطرف الذي من الممكن أن ينفجر في أي حادثة، ولو كانت بسيطة وتلقائية.

إن الحل الوحيد هو عكس رؤية المؤسسات السياسية والدينية العليا الصحيحة على الأرض، وليس في وسائل الإعلام والمجلات الورقية والمؤتمرات المبهرجة، فإمام الأزهر الشريف لا يرضى ويقبل بالبيان الخطير الذي أَعتبره أشد خطرًا من إغلاق الحسين نفسه، والمؤسسة الرسمية المصرية والفلسطينية والسعودية لا تقبل أن يتم التحريض على قتل الطوائف غير المسلمة؛ لأن جذورها عربية أصيلة، ولا تقبل أن يتم التحريض على طائفة إسلامية تشكل جزء من المجتمعات الإسلامية في السعودية والإمارات والبحرين والكويت.

لا يجب غضّ الطرف عن تلك السياسات وإلا سيكون نتاج التحريض غير المباشر أخطر على الأمتين العربية والإسلامية والمجتمعين العربي والإسلامي ويُوجد ظاهرة داعشية في بيوتنا ومدارسنا وشوارعنا.

ولدعم ذلك عمليًا، علينا اختيار الأئمة بشكل حذر، وتلقينهم أدبيات وعلوم فلسفية ودورات في إظهار الوجه الحقيقي للتعددية الإسلامية والمجتمعية وكيف يمكن استغلال تلك التعددية من أجل رفعة المجتمعات العربية والإسلامية.

وما أحوجنا إلى أدوات سياساتية تتعلق باصلاح المؤسسة الدينية الإسلامية، وليست نظريات عامة لا تغني ولا تسمن من جوع.

فالمدارس الدينية الإسلامية التي تُخرج الأئمة والقائمين على الشئون الإسلامية يحب أن تحتوى على دراسات فلسفية ودراسات فى اللاهوت المسيحيى واليهودى وعلوم الاجتماع والفلسفة والتربية الوطنية، بل علينا أن نوسعها أكثر لتشمل دروس فى فنون القيادة والخطابة؛ حتى يكونو أكثر تأثيراً على المجتمع وإيصال الرسالة الدينية بشكل صحيح، ليس فقط بعيداً عن دعوات التطرف، بل إثراء مجتمع الأئمة بالعلوم والتى ستنتقل حتماً للمصلين وتشجعهم على طلب العلم والانتاجية، بما يخدم الأوطان والطوائف.

المجتمعات العربية بحاجة اليوم لوقف التحريض الدينى فوراً رحمةً بشباب الأمة وأطفالنا ومستقبل هذه البلدان. إن لم يتوقف التحريض الرسمى والغير رسمى عبر المنابر الدينية فى بلداننا، سيكون مصير الشباب الضياع، إما بالابتعاد عن الدين أو بالتوجه إلى الفكر الداعشى. ارحمونا وارحمو أنفسكم وارحمو أمة أثخنتم فيها سيوف تحريضكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, تطرف
عرض التعليقات
تحميل المزيد