تغير وجه العالم بشكل كبير بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001؛ إذ أصبح العنوان الأبرز لجميع الخُطب السياسية والمؤتمرات الدولية ونشرات الأخبار: لازمة الحرب على الإرهاب. هذه الحرب التي دشنها الرئيس الأمريكي وقتها جورج بوش بمباركة دولية، وتأييد عربي رسمي، أثرت بشكل كبير في استقرار العالم، وخاصةً منطقة الشرق الأوسط.

في خضم هذه الحرب، تشكلت في العالم العربي، كما في الغرب، صورة نمطية في أذهان عامة الناس عن معتنقي الفكر الجهادي؛ أشخاص ملتزمون دينيًّا بتأويل ضيق للنصوص، ومظهر معين تميزه اللحية الطويلة، و هندام خاص يسميه البعض باللباس الأفغاني، نسبة إلى اللباس الذي اشتهر في مرحلة الجهاد الأفغاني ضد السوفييت. غالبًا ما يوصف المنتسبون للجماعات الجهادية، كالقاعدة، بأنهم ظلاميون ورجعيون، وأن تفكيرهم لا زال في القرون الوسطى، لكن تنظيم القاعدة عبر ذراعه الإعلامية مؤسسة السحاب، لطالما حاول تجاوز هذه الصورة النمطية، وتسويق صورة أخرى مغايرة عن أعضائه تركز على مستواهم العلمي والأكاديمي، ومدى انفتاحهم على الحياة، ومواكبتهم للعصر.

محمد عطا: المهندس الذي أسقط برج التجارة العالمي!

حتى يوم 11 سبتمبر 2001، لم يكن اسم محمد محمد الأمير سيد عطا معروفًا عند أحد بما في ذلك الاستخبارات الألمانية والأمريكية. شاب مصري في مقتبل العمر، خريج كلية الهندسة بجامعة هامبورغ في ألمانيا، سيصبح بين ليلة وضحاها مسؤولًا عن عملية 11 سبتمبر التي تعد أكبر هجوم تتعرض له الولايات المتحدة الأمريكية على أراضيها. شكل التحول الذي طرأ على محمد عطا صدمةً لمحيطه بما في ذلك أستاذه المشرف على أطروحته للماجستير في هامبورغ. بدأت تظهر على محمد عطا علامات الالتزام الديني تدريجيًّا في أواسط التسعينات، متأثرًا بالتغيرات التي عرفتها المنطقة العربية في أعقاب حرب الخليج، ومسلسل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية. لم تثر مرحلة الالتزام الديني في حياة محمد عطا أي شكوك حول نواياه، فالطالب الشاب توجه إلى السعودية لأداء مناسك الحج، ثم عاد إلى ألمانيا لإتمام أطروحته بشكل عادي، ولم ينته أحد إلى أي تغير فيه باستثناء اللحية التي نمت على ذقنه.

لا يتطلب الأمر الكثير من الوقت للوقوف عند «البروفيل» المميز لمحمد عطا، إذ كانت أبواب عديدة مفتوحة على مصراعيها في وجهه، أبواب بعيدة كل البعد عن المسار الذي انتهت إليه حياته؛ مهندس شاب خريج جامعة مرموقة في ألمانيا، يتقن بلسانه إلى جانب العربية اللغتين الإنجليزية والألمانية، يترك كل هذا خلف أكتافه، وينضم إلى تنظيم القاعدة لتحقيق ما يراه هو «حلم الشهادة في سبيل الله». لعل هذه المواصفات بعينها هي التي دفعت كثيرين في الغرب إلى التساؤل عن هذا التحول الدراماتيكي والراديكالي في مسار هذا الشاب، وربما هي المواصفات عينها التي دفعت الإعلامي يسري فودة إلى الإيمان بأن له قواسم مشتركة مع محمد عطا تبدأ من مسقط رأسهما في أم الدنيا، وتستمر مع مسارهما الدراسي وأمور أخرى عديدة.

رحل محمد عطا عن هذه الدنيا تاركًا خلفه البرج الشمالي لمبنى التجارة العالمية مدمرًا، ورحل تاركًا خلفه أيضًا لغزًا محيرًا عن هذا التحول الجذري والفجائي في حياته دون أجوبة. من المعلوم أن محمد عطا بصفته منسق عملية 11 سبتمبر قد تردد على أفغانسان مرات معدودة، لكن نقطة التحول التي سبقت هذه الزيارات، وربما أعقبتها، لا تزال غامضة ومبهمة حتى عند والده الذي يؤمن بأن ابنه ضحية مؤامرة استخباراتية ضخمة! فمن جند محمد عطا؟ وكيف؟ وأين؟ وهل كان حقًّا واعيًا بقراراته أم أنه مجرد شاب غيور مندفع ضحية عملية غسيل دماغ معقدة؟

آدم يحيى غدن.. لسان القاعدة الإنجليزي!

قبل اعتناقه الإسلام، كان عزام الأمريكي مولعًا بموسيقى الهيفي ميتال الصاخبة، وغارقًا في ما يصفها هو نفسه «ملذات الدنيا» لتتغير حياته بعد ذلك عندما تعرف إلى الدين الإسلامي على الإنترنت. لم يُعرف اسم عزام الأمريكي عالميًّا حتى سنة 2004، عندما بدأ يظهر في أشرطة دعائية لتنظيم القاعدة، وأصبح نتيجة لذلك أول أمريكي يتهم بالخيانة العظمى التي قد تصل عقوبتها إلى الإعدام منذ الحرب العالمية الثانية.

كان عزام أشبه ما يكون بالناطق الرسمي لتنظيم القاعدة الموجه للإعلام الغربي والشعب الأمريكي، فإتقانه اللغة الإنجليزية، وكونه مواطنًا أمريكيًّا من مواليد كاليفورنا، وفرا له الهالة الإعلامية التي يحتاجها التنظيم في البروباغندا الموجهة للغرب. شكل ظهور عزام في الأشرطة الدعائية، وتحريضه على قتل الأمريكييين وذبحهم سابقةً فريدةً من نوعها جذبت كل وسائل الإعلام الأمريكية، فشكل ذلك انتصارًا نفسيًّا للقاعدة التي وكلت أمريكيًّا للحديث باسمها مع الأمريكيين. هذا الاهتمام الذي حظي به عزام لم يقتصر على وسائل الإعلام فحسب؛ بل وصل إلى الإدارة الأمريكية؛ مما جعل البنتاجون يضع اسمه على لائحة أهم المطلوبين أمريكيًّا في قضايا الإرهاب، بمكافئة قدرها مليون دولار لكل من يساعد في القبض عليه. لم يقبض على عزام طيلة التسعة عشر عامًا التي قضاها عضوًا بارزًا في تنظيم القاعدة، متحدثًا باسمه، ومترجمًا، ومستشارًا إعلاميًّا لكل من أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، لكنه لقي حتفه في غارة أمريكية سنة 2011، لتنتهي بذلك قصة واحد من أكثر الجهاديين تفردًا وغرابةً.

زياد جراح.. نهاية دموية لرجل رومانسي!

يعد زياد جراح واسمه الحركي أبو طارق اللبناني، مع رفيق دربه محمد عطا، من أبرز أعضاء خلية هامبورغ التي خططت لأحداث الحادي عشر من سبتمبر بإيعاز من القاعدة. ولد زياد في سهل البقاع بلبنان سنة 1975 لعائلة ميسورة ساعدته لاحقًا في أن يرحل إلى ألمانيا لدراسة هندسة الطيران سنة 1996. لم يكن زياد شابًا ملتزمًا دينيًّا إذ أكد أفراد عائلته أنه على النقيض من ذلك كان مداومًا على شرب الكحول والعلاقات الغرامية ولتأكيد هذا الكلام، نشر شريط فيديو لحفل عائلي يرقص فيه زياد جراح مبتسمًا مع نساء على أنغام موسيقية. لم يعرف اسم زياد جراح عالميًّا إلا بعد الأحداث شأنه في ذلك شأن محمد عطا، حتى تناقلت وكالات الأنباء والقنوات العالمية صورة جواز سفر متفحم يعتقد أنه لزياد جراح، وجد مع ركام إحدى الطائرات.

من الواضح جدًّا أن قناعات زياد جراح قد تغيرت تغيرًا جذريًّا عند نقطة معينة، خاصة بعد وصوله ألمانيا، زاد التزامه الديني تزايدًا ملحوظًا وأسدل لحية خفيفة وبدأ في تبني أراء راديكالية. في هذه المرحلة، كانت حبيبته الشابة الألمانية من أصل تركي آيسي سينغن أقرب الناس إليه، ولاحظت عن كثب هذا التحول التدريجي والدراماتيكي في قناعاته وشخصيته، إذ أصبح دائم التردد على المسجد وأراد منها أن تضع الحجاب. وفي حديث لها مع صحيفة الغارديان البريطانية، قالت الشابة الألمانية إن زياد ترك لها رسالة وداع مؤرخة بتاريخ العاشر من سبتمبر 2001 أي يومًا واحدًا قبل الهجمات يقول فيها:

(…) أريدك أن تعلمي أولًا أنني أحببتك حقًّا وسأحبك للأبد، لقد فعلت ما كان علي فعله وعليك أن تفتخري بذلك. إنه لشرف كبير وسترين النتيجة، سيحتفل الجميع بذلك. أريدك أن تتذكري من أنتِ ومن يستحقكِ، أرسل لك عناقًا حارًّا وقبلات على يديك وجبينك… أعتذر منك وأشكرك جزيلًا، رجلك للأبد زياد جراح.

إيمينو.. من فن الشارع إلى دولة الخلافة!

لم تقتصر موجة التطرف الفجائي والنجاح في استقطاب شباب من مختلف الخلفيات على تنظيم القاعدة، بل تواصل الأمر مع تنظيم الدولة الإسلامية أو ربما تضاعف أيضًا.

نجح تنظيم الدولة الإسلامية، بطريقة ما، من تجنيد واحد من أنجح مغنيي الراب وأكثرهم شعبية في تونس، ويتعلق الأمر بالشاب مروان الدويري المعروف فنيًّا باسم إيمينو. لم يكن مروان الدويري شخصًا ملتزمًا في أي مرحلة في حياته، بل كان شابًّا مهتمًّا بموسيقى الراب وثقافة الهيب الهوب عمومًا.

تطرق إيمينو في أغانيه إلى مشاكل الشباب التونسي وهمومه اليومية، لكنه خرج عن هذه المواضيع أحيانًا ليتحدث عن الخمر والنساء والجنس، فمثلًا أغنيته الشهيرة Burn تدور حول افتخاره بنفسه، وبما حققه بفضل مهاراته الغنائية، في الفيديو كليب، تظهر فتيات حول إيمينو بملابس قصيرة وكؤوس خمر، فيما يتوسطهن إيمينو ببذلة أنيقة ورأس حليق.

ستنقلب حياة مروان عندما حوكم بسبب ما رآه عديدون ظلمًا قضائيًّا. مدته سنتان في السجن فقط لأن مغني راب آخر اسمه ولد الكانز أخرج أغنية تتهجم على أفراد الشرطة وتصفهم بالكلاب، وقد ورد اسم إيمينو في لائحة الذين أهدى إليهم المغني عمله في إطار ما يعرف في الراب بـ«الديديكاس». في هذا الصدد يقول عدة متتبعين أن إيمينو جاور معتقلي السلفية الجهادية في السجن، وهناك بدأت عملية تجنيده التي سهلها شعور إيمينو بالظلم والحنق تجاه بلاده ونظامها القضائي.

بعد خروجه من السجن، أنتج إيمينو أغنية جديدة، وقال في أحد المقاطع إن قريبًا سيرحل إلى سوريا لحمل السلاح لكن أحدًا لم يأخذ كلامه على محمل الجد. بعد ذلك اعتزل إيمينو الغناء والاستماع للموسيقى واختفى عن الأنظار فترة طويلة، ليظهر بعد ذلك في مارس 2015 على حسابه في الفيس بوك بصورة من مدينة الموصل العراقية، معلنًا فيها انضمامه إلى تنظيم الدولة الإسلامية ومبايعته زعيم التنظيم أبا بكر البغدادي. استمر إيمينو في نشر تفاصيل حياته في دولة الخلافة كما سماها وانتقد جميع من شككوا في مدى اقتناعه بما يفعل، استمرت الصور ومقاطع الفيديو التي توثق حياة إيمينو مع تنظيم الدولة، فيظهر تارة مع مجلس من أعضاء التنظيم ينشدون، وتارة أخرى وحيدًا حاملًا مسدسًا أو بندقية كلاشينكوف ليستمر الأمر على هذا المنوال حتى أعلنت حسابات تابعة لتنظيم الدولة في تويتر عن مقتله في غارة جوية دون تفاصيل إضافية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد