كان يجلس في غرفة المكتب وصوت أم كلثوم يعبئ المكان بأكمله، ممسكًا بكوب القهوة المعد خصيصًا له من البن الخاص به، مع ضوء خافت يتسلل من شباك الغرفة، وقد شرع وأمسك القلم بإحكام ليكتب سيرة شخصية للغناء.

محطة إذاعة الأغاني

دائمًا ما أقول إن لكل أغنية قصة، وما الأغنية إلا قصة؛ أن يعلق بذهنك أغانٍ مشت معك طريقك بأكمله، ورافقتك في حياتك سواء مرحلة المراهقة أو الشباب أو الكبر، وتبدأ بالحديث عنها وعن القصص التي أدت للتعرف إليها، لهو نوع خاص من أنواع الجمال عبر عنه عمر طاهر بمزاجية القهوة وشاربها.

برنامج الإذاعة لدى كاتبنا يحوي واحدًا وعشرين أغنية رافقته في مراحله العمرية، باختلاف أنواع الأغاني.

فهو ينتقل من القصة التي عرفته بالأغنية عن طريق سماعه لكوبليه معين علق بذهنه، ثم إلى قصة الأغنية نفسها والمغني أيضًا.

فالشام جعله يتعرف إلى «فاكراك» لنجاة علي، وتلك الأيام التي قضاها هناك مع عمة صديقه التي يعتبرها من أفضل أيام حياته كفيلة أن تحفر في الذهن، ولا تنفلت منه أبدًا.

ومن منا لا يتمنى أيام مثل هذه، لكن الحرب أبهتت كل شيء، وجعلت النفس لا ترغب في شيء.

الغناء الشعبي و«راحوا الحبايب» قادرة على أن تعيدك لأيامك الأولى، وإلى زمان وأيام زمان.

بتلك الأغنية لعدوية يعود الكاتب إلى ذكرياته في بيت الجد والجدة، وحكايته بالأخص مع الجدة.

الحنين إلى سيناريو أيام شهر رمضان الذي نقضيه في أحضان العائلة، وما يدور في اليوم منذ طلوع الفجر حتى المغرب، وما بعد ذلك والمهام التي توزع على كل الحاضرين.

يصف ويقص ذكريات بيت الجدة والمندرة بسلاسة وشوق وحنين للماضي، فلم يجد أفضل من «راحوا الحبايب» لتكون هذه الذكرى معنونة بها في صندوق الذكريات.

فمن قصة عمه وما دار في هذا اليوم، يتعرف إلى أغنية هندية ويظل متذكرها ومتذكر إيقاعها.

«ميال ميال» لعمرو دياب أغنية سحبت عمر طاهر ليحكي ويسرد قصة نجيب محفوظ، وكيف تم إبلاغه بحصوله على الجائزة «فالأغاني مرتبطة بالقصص».

وعمرو دياب كما قال عمر طاهر في كتابه هو المطرب الوحيد في جيله الذي استمعنا إلى ألبوماته بترتيب صدورها، الأمر الذي يساعدك بسهولة على أن تربط كل مرحلة عمرية في حياتك بألبوم له.

من قصة إلى أغنية، ومن الأغنية إلى قصة، ونحن واقعون بينه وبين قصصه وأغانيه في سعادة تامة.

عربة جديدة والحكي عنها أجمل، واعتبارها شريكًا ضمن التجربة، ومساهمًا فيها، فبسبب العلاقة بين الكاسيت والعربة والكاتب انطلق صوت فايزة أحمد على أنغام البيانو لتكون «هدى الليل» الأغنية التي يتذكر بها عمر طاهر هذه القصة.

والآن موعدكم مع فقرة العندليب

هذه الفقرة تأتيكم بأغانيها الثلاث القصيرة التي اختارها كاتبنا «صافيني مرة» تلحين الموجي، «توبة» ألحان عبد الوهاب، «تخونوه» ألحان بليغ حمدي، استمعت هنا في هذه الفقرة إلى تلك الروائع وما تلاها من قصص ومعلومات كثيرة عرفتها مثل حكايته عن الجاوي وعين العفريت والبخور مدعومًا بالصلاة على النبي، وعن تلك الميللي جرامات التي تترك رائحة سحرية تستمر لأيام وأسابيع.

آنساتي سادتي الآن يحين موعدكم مع فقرة الست أم كلثوم بمزيج من أغانيها الرائعة، وصوتها الذي لا مثيل له، في هذه الفقرة تستمعون لـ «هو صحيح الهوى غلاب»، «أغدًا ألقاك»، «لسه فاكر».

والآن نترككم في رحاب كوكب الشرق والأسئلة الوجودية التي تطرحها في أغانيها، مثل هو صحيح الهوى غلاب؟!

«إيدي بتدور على إيدك»
تللك الأغنية التي خطفت قلبي وجعلتني أتعرف إلى شخص عمر طاهر وكتابه «إذاعة الأغاني»، ومن ثم الاكتشاف الأكبر لي لصوت علاء عبد الخالق الذي لم أكن أعرف عنه شيئًا.
«إيدي بتدور على إيدك» وأنا فعلًا أبحثُ كثيرًا عن يد أبي الذي فارقني منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام منقضية.
عند سماعي للأغنية في أول مرة وكان بفضل عمر طاهر حينها بكيت بكاءً شديدًا، صورة الوالد الحاضرة دائمًا في الذهن ولا تغيب عن البال، الرغبة الملحة في الجلوس معه دقيقة واحدة، أو اختطاف حضن سريع، أو سماع صوته، أو رؤية ابتسامته التي لم تكن تغيب عنه أبدًا.
الحنين للعودة إلى الماضي حيث كنا أنا وهو وإخوتي وأمي.
«إيدي بتدور على إيدك وأنا وسط الزحام
محتاج أشوفك ألمسك على كتفك الطيب أنام».

أنا ممتن كثيرًا لعمر طاهر ولسيرته الشخصية عن الغناء، ولشخص وصوت علاء عبد الخالق.

هناك كثير من الأغاني في برنامج عمر طاهر لم أتناولها، وأنا لست هنا لأتناول الأغاني فنحن نعرفها، أنا هنا لأتناول القصص.

كتاب إذاعة الأغاني بالنسبة لي كأني حصلت على شريط كاسيت منذُ زمن، وداخل هذا الشريط مزيج من الأغاني المختلفة والمتنوعة التي كل منها يصحبك إلى قصة، فالقصة تصل بك إلى الأغنية، وبطبيعة الحال الأغنية دائمًا تصف مشاعرك، وتعبر عما يدور بداخلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد