بينما تجري الحياة، ثمة أغنية ما تدور في الخلفية. بينما تدور أغنية ما، ثمة حياة تجري في الخلفية”.

ظل الكتاب مركونًا بجانبي لمدة أسبوعين بعد أن جاءني كهدية، فكرت، قبل أن أبدأ فيه، أن أستمع لأغنية تساعدني على الاستمتاع بالكتاب، فلم أجد سوى أغنية “سيرة الحب” لأم كلثوم، بموسيقاها المُبهجة وكلماتها التي تحرض على السعادة. بدأت في تصفح الكتاب وأنا مستعد للمتعة لأقصى درجة. ألتهم الصفحات، صفحة وراء صفحة، بكل ما فيها من كلماتٍ ومعانٍ وأغانٍ.

أدور بين الصفحات، أحاول أن ألضِمَ القصة بالقصة حتى لا تضيع المتعة، لم يخرجني من هذه الحالة غير نظرة أمي إليّ، عندما لمحتها وهي تمر من أمام باب الغرفة، وعلى وجهها ابتسامة موجهة لي، خلعت السماعات من فوق رأسي ونظرت لها مبتسمًا، فقالت وهي تغمز: “أحلى أغنية تسمعها” فقلت محاولًا درء الفتن وسحق كل الأفكار الجميلة – الحقيقية – التي تدور في مخيلتها: “لا أنا فقط أسمعها لأنها أغنية طويلة وأنا لست في مزاج مناسب لأقلّب في الأغاني باستمرار”، تنظر لي نظرة توحي بأنها لا تصدقني فتقول: “برضه أحلى أغنية” وتذهب.

أتجول في الكتاب، وأنا أتخيل عمر طاهر كمسافر في قطارٍ قادك الحظ للجلوس بجانبه ليحكي لك عن سيرته بكل أريحية كصديق قديم لم تقابله منذ زمن. فيحكي لك عن حكايات سفره، وأيام دراسته في المدرسة والجامعة، وحبه الأول، والتعلّق الذي كان من طرف واحد أيام المراهقة، وعن سيارته الأولى التي تعطلت لأنها غضبت منه على تركه وإهماله لها.

يبدأ عمر طاهر حواديته الذاتية بأغنية نجاة علي “فاكراك” وحكاية عمة صديقه، وفنجان قهوتها الذي يُطير من عقله الصداع والأوساخ والهلاوس، وعن بردعة الحمار التي وضعتها في منزلها لكي تُذكر نفسها في كل لحظة كانت فيها حمارة. وغرفة الخزين السحرية التي توقف عندها الزمن بالنسبة له لدرجة أنه نسي كل شيء، وذاب في اللحظة بكل ما فيها. عن قصتها مع الحب، والهجر، عن عقدتها التي لازمتها لفترة طويلة، عن الذكريات والحنين الذي يعبث بها.

قصة مليئة بالشجن تليق بالمقطع الذي اختاره لها:

“وإن رُحت مرة تزور
عش الهوى المهجور
سلّم على قلبي”

حواديت عمر طاهر في هذا الكتاب كُلها شديدة العذوبة والخفة والجمال، من بدايته مع عدوية وإعادته للساحة الغنائية مرّة أخرى عبر أغنية مسلسل “عيلة الأستاذ أمين”، مرورًا بقصة عمه وجاره القبطي والقلق والسيارة، ثم ربط قصة صديقه الذي كاد أن يتمكن منه الاكتئاب بقصة فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل بالرغم من أن القصتين مختلفتان تمامًا، وصولًا إلى قصص سفره إلى البرازيل، والمغرب وبيروت.

أكثر ما لفت نظري في الكتاب، هي الزاوية التي اختارها عمر طاهر لينظر منها – من خلال شباك موارب في دماغه – على ذكرياته، الأغاني عمومًا تصلح كمنشط رائع للذاكرة، وعمر طاهر كان ذكيًّا بما يكفي لاختيار هذه الزاوية، لذلك جاءت جميع القصص متصلة بالقلب بشكلٍ مباشر، لأن الذكرى ستبقى دائمًا “لمن له قلب” كما قال الكاتب الكبير جمال الغيطاني.

مزيج المشاعر الذي وضعه عمر طاهر في هذا الكتاب كان عظيمًا، فبين الضحك في قصة “قال جاني بعد يومين”، والتي يحكي فيها عن موقف علق المصعد به في أحد البنايات التي يسكنها أحد أصدقائه، ليأتي حارس العقار ويتشاجر معه ويسعى لإلباسه قضية “اغتصاب” بسبب عدم رؤيته للافتة تخبره بألا يفتح الباب إلا عِند توقف الأسانسير.

والشجن في قصة “باحبّك” التي يحكي فيها عمر عن صديقه الذي أصبح أخاه، وعن أم صديقه التي تجلس على كرسي متحرك منذ أن مات زوجها. في هذه القصة، يحكي عمر موقفًا لم أستطع معه حبس دموعي، عندما قررت أم صديقه قبل حفلة زفاف ابنها إهداء عمر رابطة عُنق وإصرارها على ربطها رغم رعشة يدها التي انتقلت إلى يديه عندما حاول مساعدتها، لحظة كهذه تليق بكاتب مثل عمر طاهر يستطيع تخليدها للأبد.

أما المفاجأة المُحمّلة ببهجة/سعادة غير مُتوقعة، فكانت في قصة “حلوة يا بلدي” والتي يحكي فيها عمر قصة ذهابه إلى البرازيل، وشرائه لجيتار من أحد المحلات هناك، ثم النزول “ترانزيت” في مدريد، وخدعة شركة الطيران له، واضطراره للجلوس في صالة “الترانزيت”، والسيجارة التي كانت سببًا في تعرفه على “فيليب” أحد أفراد الأمن، والذي كان يعرف كيفية العزف على الجيتار، فعزف الأغنية الوحيدة التي يستطيع عمر عزفها وغنى معه عمر بصوتٍ رديء، وسعادة فاقت توقعاته بعد نهارٍ مليء بالخيبة.

المثير في الأمر، بالنسبة لي، في هذه القصة تحديدًا، هو أن البشر جميعًا هم عبارة عن حواديت، وكل شخص فيهم مُرتبط بشخص آخر من خلال حدوتة، كل البشر حواديت غيرهم. فيليب أحد أفراد أمن المطار، الإسباني الذي يعمل في مدريد، أصبح حدوتة في حياة عمر طاهر، الكاتب الذي يعيش في القاهرة، والعكس حتمًا صحيح. لذلك، عندما قرأت هذه القصة، كان كل ما يدور في رأسي جملة فؤاد حداد العظيمة “مفيش حياة إلا عند غيرك، تعيش في خيره ويعيش في خيرك”.

أشعر أن عمر طاهر لازال يحتفظ بالكثير من الحكايات والحواديت، وهذه فقط كانت جزءًا بسيطًا من ذكرياته، ولأن الحياة لا زالت مستمرة، ولأن الأغاني لم تنقطع، ستبقى الذكريات طويلًا، محتفظة بنفسها بداخل المخ، إلى أن يحين الوقت، فتأتي طوعًا، ليتم تدوينها على الورق، فيسعد بها قلب محب للذكريات والأغاني.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عمر طاهر
عرض التعليقات
تحميل المزيد