غريب هو التاريخ، ندرس القشور منه طوال سنوات دراستنا، متخيلين أنه عبارة عن مجموعة أحداث وتواريخ، وشخصيات من الماضي البعيد، جامدة كالحجر، لا روح فيها. بينما لو أتيحت لنا الفرصة لنقرأ كتابًا كهذا لتغير مفهومنا عن التاريخ، فالتاريخ هنا لحم ودم، شخصيات لها مشاعر ومواقف، وبالرغم من عدد السنوات التي تفصلنا عنهم فإنهم يشاركوننا الكثير من التفاصيل، الأحزان والأفراح نفسها، المعاناة نفسها، والأمنيات نفسها.

عندما تكتب رضوى عاشور، فهي تنسج خيوطًا من الإبداع لتضع أمام قارئها خلطة متوازنة من التاريخ والمشاعر والإنسانية، حتى يكتفي بما تكتبه ولا يعد يرغب في قراءة المزيد؛ لأن ببساطة جميع ما كُتب في التاريخ والأدب والشعر يصبح ضئيلًا أمام ما تكتبه رضوى عاشور.

عندما قرأت ثلاثية غرناطة، توقعت أنها أفضل ما كتبت، وقبل ذلك بعدة سنوات عندما قرأت «فرج» توقعت أيضًا أنها أفضل ما كتبت، وأعترف أنني تأخرت كثيرًا حتى قرأت الطنطورية، لكن إيماني بأن لكل شيء ميعاد يخفف من وطأة الندم قليلًا.

في مستهل الرواية ستجد خريطة فلسطين موضحًا بها أهم المدن التي تدور بداخلها معظم الأحداث. ثم تنتقل إلى شجرة العائلة حتى لا تشعر بالغربة وأنت تقرأ عن حياة أناس تفصلك عنهم عشرات السنين، بل على العكس ستأخذك الصفحة تلو الأخرى حتى تفاجأ بأنك أوشكت على الانتهاء.

بالرغم من أن الاختلاف الكبير بين موضوع الروايتين «ثلاثية غرناطة والطنطورية»، أشهر ما كتبت الراحلة رضوى عاشور، فإن ما يميزهما هو طريقة العرض التي اتسمت بالخصوصية في كلا الروايتين. قليلة هي الروايات التاريخية التي تجعلك تشعر أن كاتبها هو أحد أبطال الرواية أو على الأقل عاصر أبطالها حتى حكوا له بأنفسهم كل تفاصيل الحكاية. لذلك يتردد البعض – وأنا منهم- قبل الإقدام على قراءة عمل تاريخي لأن الكاتب دائمًا يظهر على بعد مسافات شاسعة بينه وبين أبطال حكايته. ولكن الأمر مختلف مع رضوى عاشور، ففي كل صفحة تشعر أنها كانت هناك، ترى بعينيها ما حدث. رأيتها كثيرًا تقف حول «رُقية» تتحدث معها وتمازحها، ورأيتها أيضًا شاهدة على كل المجازر التي ارتكبها الإسرائيليون في حق المواطنين العُزل. في حوالي 500 صفحة أو أقل، ترى معاناة مجسدة لأسرة فلسطينية أُجبرت على ترك موطنها مُحملين بذكرى مغموسة بالدماء، وترى أملًا بالعودة لا يتحقق. ترى مجازر ومذابح، حبًّا وكرهًا، تخلط رضوى بين الماضي والحاضر بسلاسة وتُذكرك بشخصيات كان لها عظيم الأثر في إحياء القضية مثل ناجي العلي. كل ذلك وأكثر تنقله لك على لسان «رُقية» التي تصبح بمرور الصفحات الأولى من الرواية شخصًا تعرفه جيدًا وتحفظ ملامحه.

تُبدع رضوى في التعبير عن المرأة؛ ففي ثلاثية غرناطة والطنطورية كانت المرأة هي بطلة الروايتين. ففي الأولى كانت «مريمة» وفي الثانية «رُقية»، وهذا سبب آخر يجعلني أنغمس في قراءة ما يقرب من 500 صفحة بلا كلل أو ملل. فالحكاية بعيون النساء تكون أكثر وضوحًا، ربما لأنهن قادرات على النظر لأكثر من زاوية ومن ثم تكون حكايتهن أقرب للواقع وأصدق للمشاعر. بعيون «رُقية» ترى ما هو أعمق من مجازر خلفت وراءها آلاف القتلى، فهناك الابنة التي فقدت أباها وأخاها، وهناك الزوجة التي ضاع زوجها من دون أن تدري كيف كان مصيره، وهناك الشاب الذي ما زال بالأمل متشبثـًا رغم الضياع. هي فعلا تجربة فريدة أن تكتب المرأة عن المرأة وكأن كل منهن يتبنى حلم الآخر.

الحديث عن المعاناة التي أخذت رضوى على عاتقها مسئولية إيصالها لنا يطول، لا لشيء، بل لأن الحديث عن بعض الآلام يحط من قيمتها، أو يجعلها مبتذلة فلا نعد نشعر بما تخلفه من دمار في نفس من عانى منها. هي معاناة لم نعشها، ربما قرأنا عنها في الكتب، لكن أن تقرأ شيء، وأن ترى بعينيك شيء آخر. لذلك تضعك الرواية أمام إنسانيتك لتواجها بعضكما بعضًا، هل خسر أحدكما الآخر؟

تقترب النهاية وأتساءل، كيف تنهي رضوى رواية كهذه؟ ولكنها تفاجئني بنهاية سلسة لم أكن أتوقعها، نهاية تعلن أملًا جديدًا بالعودة، تختتم رُقية رحلتها حيث بدأت، لتأتي رحلة أخرى مفعمة بالأمل. ولكن يبقى السؤال، هل يمكن أن تنتهي رواية كهذه؟ لا أظن، فهي مستمرة ما دام هناك من يقرأها ويؤمن بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد