ربما لم تكن تلك الصورة هي الوحيدة التي لها في قلبي وقعٌ جميل، لكنها حتمًا الوحيدة التي لها ما لها من واقعية تفوق ذويها من حاملات الوردات، وعلى ثغورهن ابتسامة رضا أيضًا، لكنهن أبدًا ليسن كتلك.
لم تكن رضوى بمجبرة على حمل وردة أو الوقوف وسط بستان مُزهر بفستان رقيق يجبرها المُصور على إخراج كل لحظة سعادة مرت بها في حياتها وكل خلجة من فرح أتتها يومًا على هيئة ابتسامة رقيقة تقتنص بها قلوب الفتيات ممن يتأملن سعادتها المرحة ويبدر في ذهنهن سؤال أن أنّى لكِ بسلامٍ كهذا! لا لم تكن مجبرة.
كفاها أن يكون بجانبها هكذا، مُفردًا صفر اليدين، لا يثني قدمًا على الأرض حاملًا بيديه وردات مُلونة يبتغي بذلك رضاها.

 كفاها الوقوف هكذا في كادر تصوير عفويٍ صغير، لكنه الدنيا في عينيها، فلم لا؟ إن لم تكن قد اختزلت الدنيا فيه حقًا.

ربما تبادر إليّ سؤال عن ماذا قال لها لتضحك هكذا، حتى إنك إن دققت قليلًا داخل الصورة ستسمع صوت ضحكاتها عاليًا، تطرب له أذنك؛ إذ كل موجة فيه تهب لك كواليس حياتها معه. ربما تذكرت لحظتها كيف أتاها يٌخبرها بمكنون صدره لأول مرة، ربما تذكرت لعثمة لسانه وتعقد كلماته حتى أنها لم تفهم من جملته الكثير، ولكن كانت لنظراته شيفرة الحل لتلك الأحجية التي ينطق بها أمامها الآن. حتى أنه ربما أخبرها حينها أن هل رأيتي كوكب عُطارد بالأمس فقد شاهدته زاهيًا يختال بين أقرانه بخفه! بدلاً من أن يخبرها هل ترين فيّ قبولًا يسمح لي بطلب يدك؟
ربما تذكرت يوم ابتسمت بخفة في وجه كل من يقابلها، وبثتهم من حنانها وحبها الكثير، لكن بسمتها أبدًا لم تخل عليه، وجاءها يسألها ما الخطب؛ فتعجبت منه أن كيف فهم ما ألمّ بها دون أن تنطق.
أم ربما جال في خاطرها كيف هي قوية، ولا تهاب من بأس الحياة الكثير لشدة ما مر بها وتخطته وحدها دون أي سلاح، سوى قلبها، تلقى الضربات وحده فقسى، بيد أنها تصنعت في حضرته الضعف فقط لتشعر بقوامته عليها، لتسمع منه كلمة طيبة – وما أكثر كلامه الطيب – تجبر كسرها، تذكرت يومها أنها أبدًا لم تستعطف منه كلمته تلك، قالها هكذا من قلبه، أزال من على كاهلها عبء انتقاء الكلمات وتحسس الألفاظ، أظهر رجولته في صدق كَلِمه لا في قوة قبضته، علم أن فيها ضعفًا فأمسك بزمام الأمور أو كما قيل: ما أدار لها ظهره يومًا إلا لتستند عليه!
أم ربما كان صدى حوار فيلم الباب المفتوح يملأ الخلفية آن ذاك، ولم لا؟ فلم تكن الصورة سوى محاكاة واقعية لحسين وليلى، وبراعة لطيفة الزيّات في حبك الحوار وانتقاء ألفاظه، لا أريد منكِ أن تفني كيانك في كياني، يريد لها كيانها الخاص، لكنه أبدًا لم يجعل من ذلك حُجة في عدم الوصول إليها، يريد لها كيانها الخاص إلى جواره.
أو ربما أيضًا تذكرت كيف رُفض مرةً تلو مرة من والدها، لكنه لم يتخذ من ذلك عائقًا؛ فهو يريدها هي، رضوى، مفردة هكذا، لا جرح لكرامته في الرفض، إن كانت الجائزة هي!
أم ربما تذكرت يوم ولدت تميم، وقال لها: أعجبُ أن يحمل اسمي، وتعبتِ وقاسيتِ أنتِ فيه، كل ذاك، كيف لا يحمل الولد اسم أمه! وربما وربما!
لم تصل هي لهذا السلام والرضا في ضحكتها عبثًا، لم يكتب لها في رثائها: يا رضوى الغائبة بعيدًا أنا والشعر لعينيكِ .. أنتِ جميلة كوطنٍ محرر .. أنا والقمر الراعي والنجمات تعبنا ونعسنا .. فهل تأتين؟ عبثًا.
لم يجلس إلي جوار جسدها في صلاة الجنازة مطأطئ الرأس عبثًا،لربما خالجه وقتها شعور أنه سيذهب يراها جالسة تنتظره ليبثها حزنه، وما يختلج قلبه من ألمٍ الآن!
ربما وربما.

هنيئًا جرأةٌ أتته لم يخجل أن يعبر بها عن حبه وامتنانه لكونها زوجته، لا لم يخجل، ولا لم يندم..

هنيئًا لمن يريد أن ظفر بهذه الضحكة من رضوى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد