يجدد فتح السلطات المصرية لمعبر رفح البري، بعد إغلاق استمر أكثر من شهرين؛ مشاعرَ المرارة التي تنتاب أهالي قطاع غزة الذين سادهم شيء من التفاؤل عقب التصريح الشهير لرئيس وفد حركة فتح لحوار المصالحة، عزام الأحمد؛ بخصوص فتح المعبر على مصراعيه فور تشكيل حكومة الوفاق الوطني، إذ تبين لهم خلاف ذلك تمامًا، حيث زادت أيام إغلاق السلطات المصرية للمعبر، وتباعدت فترات فتحه بشكل استثنائي؛ بما عطل مصالح الآلاف وفاقم معاناتهم في القطاع المحاصر منذ عقد، وتحول بذلك معبر رفح من شريان حياة لنحو مليوني فلسطيني إلى حبل مشنقة يلتف حول أعناقهم.

وبشيء من السخرية والتندر يستحضر أهالي القطاع تصريح الأحمد الشهير، ولسان حالهم أن حكومة الوفاق الوطني أبصرت النور، لكنها حرمتهم إياه من خلال تلكؤها بين الحين والآخر في إعفاء وقود محطة توليد الطاقة من ضريبة “البلو” المرهقة لأهالي القطاع، فضلًا عن تدني مستوى أدائها على أكثر من صعيد، بل وتخليها عن أداء واجباتها نحوهم رغم أنهم نظروا إليها كطوق نجاة من رزمة متكاملة من الأزمات المعيشية والاقتصادية التي يتقدمها أزمتا الكهرباء والمعابر شبه المغلقة.

ولا يمثل الفتح الاستثنائي لمعبر رفح سوى تنفيس محدود جدًا في ظل الاحتياجات الإنسانية المتراكمة لآلاف الراغبين والمحتاجين للسفر لقضاء حوائجهم سواء على الصعيد الاجتماعي أو الصحي أو غير ذلك، وتبدو الكلمات عاجزة عن وصف مأساة الحالات الإنسانية المتدافعة لنيل فرصة سفر خلال أيام فتح المعبر، لا سيما المرضى الذين يتعذر علاجهم في القطاع الساحلي نتيجة افتقاره لبعض الخبرات والأجهزة الطبية، حيث تغزو مشاعر القلق قلوب وأفئدة المتقاطرين نحو المعبر خشية إغلاقه دون نجاحهم في اجتيازه، فالأمر بالنسبة لبعضهم مسألة حياة أو موت، وليس مجرد مرور عابر بالأراضي المصرية.

ورغم سيل المناشدات والدعوات والمبادرات الرامية إلى الضغط على السلطات المصرية لفتح المعبر بشكل منتظم إلا أن الإغلاق شبه التام سيد الموقف، إذ يمثل إغلاق المعبر قرار إعدام بحق آلاف الاحتياجات والآمال والأحلام الإنسانية الصرفة، فحال الغزيين ما بين راغب بالتواصل مع ذوي القربى، وطامح لاستكمال مشواره العلمي، وراغب بتلقي علاج ينقذه من براثن الموت، وساعٍ في مناكب الأرض بحثًا عن رزقه، وهكذا، في حين أن الأمر أبعد ما يكون عن الجانب الإنساني بالنسبة للسلطات المصرية التي تغلب الموقف السياسي في تعاطيها مع مسألة فتح معبر رفح أو إغلاقه.

إن ما يؤلم الغزيين حقًا، هو التذرع بالوضع الأمني في سيناء لإغلاق المعبر في حين أن معبر طابا الذي يعبر عبره الإسرائيليون إلى الأراضي المصرية بكل يُسْر لا يسري عليه ذات العذر، وبالكاد يغلق إن كان يغلق أساسًا، والسؤال المر الذي يراود الغزيين: أي الفريقين أحق بالمرور إلى الأراضي المصرية والعبور عبرها إلى فضاء الكون الفسيح؟! إذ تبدو الإجابة بطعم العلقم في ظل الواقع الراهن، حيث يمر الإسرائيلي بكل يسر ويمر الفلسطيني بكل عسر وذل.

ومما يزيد ألم الغزيين وحسرتهم أن السلطات المصرية ضيعت فرصة ثمينة لانتزاعهم حق التواصل مع العالم الخارجي بعيدًا عن أراضيها من خلال مطالبتهم بتدشين ميناء بحري في القطاع وحتى إقامة مطار فيه، وذلك خلال مفاوضات التهدئة التي انطلقت إبان العدوان الإسرائيلي على القطاع عام 2014، حيث عطلت استكمالها بعد ثبات التهدئة التي جرى التوافق فيها على وقف إطلاق النار لمدة شهر، فبدلًا من أخذها بزمام الأمر والدفع باتجاه تحقيق مطلب الفلسطينيين بما يعفيها من تحمل المسؤولية والضغط المتواصل من أجل فتح معبر رفح، فقد ساهمت في دفن آمالهم وأحلامهم بالتواصل الحر مع العالم الخارجي.

وتبدو خيارات الغزيين محدودة في مواجهة الإغلاق المصري لمعبر رفح، والذي حرم الآلاف منهم من أداء مناسك العمرة للعام الثاني على التوالي، حيث يضطر بعضهم للسفر عبر معبر بيت حانون الذي تسيطر عليه سلطات الاحتلال الإسرائيلي بما يعرضهم لمخاطر الاعتقال والابتزاز من قبل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، التي تبذل كل ما بوسعها للحصول على معلومات عن المقاومة في قطاع غزة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

غزة, معبر رفح
عرض التعليقات
تحميل المزيد