“قصة رافي بركات تعطي الثقافة للإنسان وتنمي قيم الإسلام في الإنسان وتعرفه بحضارته الفرعونية وآيات الله الكريمة وتبعث حب الاستكشاف في روح الأطفال”. هذا تعليق ابني سيف الدين ذي الإحدى عشر ربيعًا بعد قراءته قصة رافي بركات.

وهذا هو خلاصة النقد الأدبي القادم. إنها قصة أو رواية لسن ما تحت السادسة عشر أو حتى الثانية عشر، وقد تأثر كاتبها بالمغامرين الخمسة والشياطين الثلاثة عشر وكل ما كان يقدم للناشئة في مثل عمره وعمري في الثمانينات، فضلًا عن تأثره بالأفلام العربية أيضًا فاقتبس مشاهد من الشاشة إلى الصفحات في غلطات تحتسب على الأدباء الكبار ولكنها عادية لمن يحاول الكتابة في المرات الأولى وخصوصًا إذا كات الدافع للكتابة ليس الموهبة القوية بل هو القدرة على النشر والبيع ما بعد النشر.

دعك مما سبق، القصة من نقد خارج عن موضوعها وله علاقة بظروف نشرها، مثلا مصمم الغلاف أجنبي في قصة تتكلم عن حث الشباب العربي والمصري على العمل، والتساؤل الطبيعي أليس منهم من يحتاج عملًا كمصمم الغلاف الأخير لألبوم فرقة أجنبية للغناء وهو مصري بالمناسبة. طبعًا بالإضافة إلى الشخصيات العامة التي شاركت في الترويج للقصة وهم غالبًا فنانون وممثلون. هذه قصة تكلل نجاح أحدهم وليست عرض موهبة كتابة أو قضية جديدة.

كما قلت القصة ليست للكبار فهي بها خيالات يعتبرها الناضجون استخفافًا بالعقول. سأقول لك فقط أن البطل يرسل إيميلات ذهنية لأصدقائه كي يقابلوه لتتخيل عن ماذا نتكلم هنا.

ندخل في الموضوع. البطل يعيش في قرية، وفي الأفلام كل قرية بها عبيط قرية يعرف الكثير ويتمتم بألغاز لا يفهمها حتى عمدة القرية، وهو دومًا “يلقح” على الأشرار، الجديد عند القصة أن شخصية عبيط القرية خلطها الكاتب – متأثرًا بالتلفزيون – بمجاذيب اأولياء بالملابس المزركشة والسبح الطويلة الملونة، التي لا يستطيع عبيط قرية اقتناءها وهو المسكين الذي يبيت بالعراء ولا يجد قوته. طبعا الكاتب لا يتحدث عن غياب دور الدولة في القرى والأرياف بعيدا عن العاصمة فالرجل يحاول حل المشاكل بعيدًا عن السياسة حتى في الأدب الذي يكتبه.

كيف يتعلم رافي ويحضر الامتحانات دون معرفة أحد بالمرة؟

الحقيقة ليست هذه أول ولا آخر معجزات رافي، فرافي ستتوقع أن يطير بالتركيز الذهني في الطيران. ستتوقع أن يطير في آخر القصة إذا سارت بنفس السياق، يتمنى رافي الشيء فيركز ًّجدا فيحدث الشيء، بمبالغة تصل إلى حد أنك تمررالصفحة ممتعضًا من إستخفاف الكاتب بعقلك.

طبعا تحتوي القصة على غلطات علمية فجة، مثلا هناك اختراع لمكعب ينقلب عندما يكذب أحد أمامه. ومثلا هناك مركز ما للقدرات الفائقة والمركز يستطيع التحكم في سيارات ضيوف المركز، طبعا ستقع من الضحك وأنت تتخيل سيارة 128 تدخل المركز ولا يستطيع سائقها السيطرة عليها لأن المركز يتحكم بها عن بعد، ألا يحتاج التحكم عن بعد أن يكون الشيء الذي تتحكم به قابلًا للتحكم أصلا؟

رافي أيضًا في رحلته لاكتشاف قواه الداخلية يوجه شخصًا ليعطيه تذاكر أوتوبيس. الكاتب لم يركب أوتوبيسًا منذ ثلاثين عاما تقريبًا وخلط بين أوتوبيس الأقاليم وأوتوبيس العتبة وأوتوبيس أوروبا فعندنا بمصر التذاكر للأوتوبيس تقطع داخله ولا أحد يعطي أحدًا تذكرة أوتوبيس بيده على أرض المحطة. فضلًا عن عدم بعد أرض الزراعة عن السكن مسافة ليحتاج من يعمل بالحقل أوتوبيسًا لينتقل من البيت للغيط داخل قرية.

الفكرة الرئيسية بالقصة مرادها نبيل ولكن فكرة “أيقظ قواك الخفية” تصلح لشباب يجدون ما يصلب قواهم أصلا. وفكرة الشباب الجالس على المقاهي أن يذهب ليأخذ كورسات كمبيوتر أو يعمر الصحراء فكرة تنظيرية أظن وصفها بالتقليدية هو وصف رصين. ولا أظنني سأخرج عن الرصانة مع الكاتب في تجربته الأولى.

هناك محاولات عديدة للتنقيب في أرض يعلم بوجودها والأسرار بداخلها الكل إلا السلطات، هذا فاق الخيال العلمي، التخاطب عن بعد كثيرًا اقترب من العادة اليومية عند البطل، وكأنه أكل فولًا، حتى عند من يتميزون بهذه القدرات علميًّا لا يكون الأمر كالإسهال هكذا، القوات الخارقة الذهنية لها ما يحكمها وتظهر بحدود وليس كما ورد بالقصة مطلقًا. والحديث عن النية الجمعية وقدرات العقل الكامنة قد بالغ فيه الكاتب، لقد توقعت فعلًا أن يطير رافي آخر الرواية.

اسم رافي فكرة جيدة أدعوك أن تبحث في أصله كما سرده الكاتب ولكن المبالغة في تكرار الصفة للاسم تفسد الفكرة، أورد الكاتب إحصائيات عن ساكني المقابر. نصف مليون ساكن دون لوم على أحد، ودون تشريح للمشكلة أيضًا، هذا الرجل يعبر الأزمات دون مشاكل سياسية معتقدًا أنه برنامج على الهواء وليس رواية له الحرية أن يتكلم بها.

هذه دعوة من الكاتب لسكان المقابر أن يوقظوا طاقة المقابر الكامنة فيعملوا في البنوك الأجنبية أو يأخذوا كورسات لغة بالجامعة الأمريكية، هكذا فهمت الداعي إلى ذكر سيرة سكان المقابر دون لوم دولة ودون حلول.

السرالذي يلهث خلفه بطل القصة أصلًا غير علمي .عن الشريحة المصنعة من ارض الرملية وهذا كان متوقعًا رواية بدأت بعبيط قرية يلبس ملابس مزركشة لابد أن يكون سرها شريحة تهدم المباني الرخامية والمعدنية في قطر 5 كيلومتر في دقائق، وتنقل بالمرة أسرار الهواتف والحواسيب قبل الهدم.

طبعا النقل من الأفلام مستمر فمثلا رصاصة تنطلق لتقتل الدكنور جامشيد أحد أبطال العمل بعد إنهاء اعترافه لرافي، مع نقل صورة ملتبسة عن الهند الفقيرة دون الهند الغنية المتقدمة والتوسع في سرد محسنات تاج محل دون النظر لتجربة الهند الفريدة في التغلب على الفقر والتجربة النووية وغيرها من أسباب النهضة التي يعني بها الكاتب في قصته.

لم تخلُ الرواية من المعادلات الصماء التي تحفل بالنظرية دون العملية وليس لها أي إسقاط على أرض الواقع مثل تلك المعادلة التي يكررها الكاتب، تنمية بشرية وما إلى ذلك.
أرض غنية + إنسان فعال + قيم وأخلاق = حضارة تسعد الناس وتغنيهم.

وهي شيء مثل من جد وجد ومن زرع حصد، وهو تكرار لنصائح أبوية لا تصنع مجالًا للتقدم والازدهار ولا تفتح بابًا للشباب الذي يعيش في بلاده معضلة سياسية كبيرة أهمها أن من يكتب له لا يحس به مطلقا، وانفصل عنه وعن واقعه بعد أن كان أحد صانعي رأيه، لقد أخفق الكاتب في إيصال فكرته كما أعتقد، على الأقل لمن هم فوق الثانية عشر.

كبداية جيدة في الفكرة وخطوات السرد ولكن يعيبها التطويل وقلة الإمتاع لكثرة المبالغة التي تنفر الكبار وبهذا قد لا تناسبهم وتناسب الأصغر سنًّا ولا أدري هل خطط لذلك الكاتب؟ أم أتى رغمًا عنه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد