من المؤلفين القلائل المعاصرين، الذي لا توجد له صورة عنه في أي مكان، إن بحثت عنه في فضاء الإنترنت الواسع، وسألت كل محركات البحث الإلكترونية كي تقدم لك صورة أو معلومة بسيطة عن رجاء عليش، صاحب روايتين وأديب منتحر، لن تجد شيئًا! لا لمؤامرة ولا لشيء، ولكن بكل بساطة بسبب أن هذا الرجل سيء الحظ جدًا.

 

وعدني أحد من يقرأون بنهم – وهو مخضرم السن والأسلوب في القراءة – بأن يوفر لي صورة كي أشاهد هذا العبقري الذي فتنت بكتابته دون أن أعرف أنه مات منتحرًا. لرجاء عليش حياة فريدة من نوعها يمكنك استشفاف ذلك من خلال كتاباته، له روايتان أولهما لا تولد قبيحًا التي لم أجدها بعد، بعد بحث مضنٍ اقترب من السنوات العشر أو يزيد.

 

وروايته الأخرى التي نقدمها لكم اليوم هي رواية كلهم أعدائي، التي وجدتها بمحض الصدفة في إحدى زيارات معرض الكتاب، والتي كنت أظنها رواية عادية كتبها أحد الأدباء العاديين ولكنني عندما بدأت أقرأها وجدت أن نصف حياة الكاتب أوُدعت فيها والنصف الآخر في الرواية الأولى.

 

على غلاف الرواية الخلفي تجد مرثية تنبئك بأن هذا الكتاب لن يمر عليك مرور الكرام، فكتب رجاء عليش وهو يدرك أن تلك آخر رواياته وحياته غالبًا، “مرثية إنسان على وشك أن يموت: ارقد أيها القلب المعذب فوق صدر أمك الحنون واسترح الى الأبد، دع أحلامك الميتة تتفتح كزهره تعيش مليونًا من السنين، أنت أيها الملاح التائه في بحار الظلمات البعيدة لقد جئت إلى أمك الأرض لتعيش في حضنها إلى الأبد، ألقيت بمراسيك في المياه الدافئة وأمنت من الخوف، نفضت عن شراعك الثلج والبرودة وأيقظت الشمس في قلبك واسترحت إلى الأبد، نم هانئًا سعيدًا يا من لم تعرف الراحة في حياتك، أحس بالأمن يا من عشت دائمًا بعيون مفتوحة من الخوف .. الموت أبوك والأرض أمك والسلام رفيقك والأبد عمرك”.

 

ما فاجئني أنه قبل بدء قراءة الرواية لا تعليق على أي من أعماله لا عرض لأي من كتبه أو تعقيب على أي من رواياته كبيرة الحجم، رجاء عليش ذلك المؤلف المنتحر الذي أسطر عنه أولى كلمات لأول عرض عن أحد أعماله على الإنترنت، كان ذلك من فترة قبل أن يهتم به أشخاص آخرون متمنين مثلي أن يعرفوا ولو معلومة بسيطة عنه!

 

روايته كلهم أعدائي التي تحمل طعم الكراهية للمجتمع والكراهية من الأشخاص العاديين، لمجتمع يرى البشر غير العاديين فيه مسوخًا ولا يحق لهم الحياة، الشخصية الرئيسية للرواية “عادل” ذلك الكائن الجميل الخالي من الذكورة لا الرجولة، وأفعال الحياة معه وأمه التي تمثل حياته المشلولة الناقصة التي تموت في النهاية معلنة استمرار حياة بغيضة للبعض مريحة في الشكل الظاهري وقاسية في النواة للبعض الآخر.

المقابل الأنثوي للشخصية الرئيسية “ميرفت” ذات الجمال الملائكي التي تدنسه بحفنة من النقود والتي أجاد “عليش” في وصفها كمصر بعد الانفتاح والتي – تساوم بشرفها – مع من يدفع أكثر بلا أي حفاظ على أية مبادئ ولا قيم، ومن الشخصيات المحيرة التي أردت دومًا معرفة لم دفع بها إلى مثل تلك الرواية “بحلق” القبيح الغني الذي يستكرده الجميع ويرغب هو في أن يتعلق بميرفت وتتعلق به، معلنًا – قبل لعنة الجميع له – وحرقه لنفسه في محاولة مجنونة لمرافقة ميرفت الجميلة بالعنوة ما دام يمتلك النقود وما دامت القصة من البداية للجميلات هي النقود.

 

مجتمع وصفه الكاتب قبل أن ينتحر معلنًا في روايته أن مجتمعًا بهذه الدرجة من البؤس فالحياة حرام عليه، شخصيات فرعية ساذجة تبسط أجنحتها على الحياة، وتدمر شخصيات وحيوات أخرى لا لشيء وإنما لأن غريبي الأطوار – المختلفون – دومًا يتم اضطهادهم بهذه الصورة.

كل ما أعرفه عن المؤلف أنه مجنون للغاية ومعقد جدًا ومات منتحرًا ولا يملك أي شخص أية صورة له حتى الآن، وقد انتحر رجاء عليش في السبعينات بأن قام بحرق نفسه. ويقال أنه كان يعاني – على رغم غناه الشديد – من دمامة وجهه التي أوصلته إلى الانتحار.

 

الرواية كبيرة الحجم فعلًا، أجاد “عليش” وصف الشخصيات والأحداث لدرجة أنك ستتأثر مع بحلق وعادل على طول الخط، سيربطهما خط درامي طوال الرواية، حيث يجتمع دومًا فيهما الجمال الناقص “عادل” والقبح المستتر “بحلق” في محاولة من الكاتب لتوصيف أحوال مجتمع نخره السوس وقتل كل ملامح من يرغبون في أن يحيوا كالبشر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد