موسيقى الراي والسحر الصوفي

تحظى أغنيات الراي باهتمام متزايد تخطى حدود الجزائر والمغرب العربي؛ لتصل إلى أوروبا، خاصة في فرنسا وإسبانيا والبلدان التي استقبلت الكثير من المهاجرين المغاربة. يكمن السر في الراي باعتباره غناء له خصوصيته ولونه الغنائي الخاص، حيث نشأ في ظل التراث الصوفي الجزائري، وبين زوايا الحضرات ومجالس الذكر، خاصة في مدينة وهران غرب الجزائر، منبع واصل الراي، ومولد الكثير من مطربي الراي، مثل الشاب خالد، وتعرض للكثير من التطور والتغير على مر سنوات الاستعمار الفرنسي، وكان مرآة للتغيرات الاجتماعية في الجزائر بعد الاستعمار؛ حيث المشكلات الاجتماعية والسياسية، والعشرية السوداء التي مرت في تسعينات القرن الماضي مرورًا ليس بالهين على وجدان الشعب الجزائري.

العلاقة بين الراي والصوفية تعود إلى فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر، حيث قاد مشايخ الطرق الصوفية الثورات والانتفاضات ضد الاستعمار، ويذكر حمدان خوجة في كتابه: (المرآة)، أن شيوخ الصوفية هم الذين أمروا الجزائريين بالتعبئة العامة والدفاع عن مدينة الجزائر، بعد أن تخلى الأتراك العثمانيون عن حمايتها في ذلك الوقت.

ويذكر الضابط الفرنسي دي نوفو في كتاب: (الإخوان) الصادر عام 1845، عن الدور الذي لعبه الصوفيون في مقاومة فرنسا، حيث ذكر ثورة الظهرة، التي قامت في العام نفسه، مبرزًا دور الطرق الصوفية في هذه الانتفاضة.

إبان هذه الفترة تحول الراي من مجرد المديح والذكر، إلى غناء شعبي يحمل موضوعات اجتماعية، مثل أفكار الثورة ضد المستعمر، ومعاناة الجزائر المحتلة من الفقر والمرض والاعتقالات، فكانت تحرض بشكل غير مباشر على الثورة، فكان أتباع الشيخ حمادة يرتدون اللباس الأبيض الطويل والعمائم الخضراء ويصيحون في الطرقات: (راي – راي) بمعنى طلب المدد والرأي السديد.

توالت على موسيقى الراي تطورات كثيرة تقنية، وعلى مستوى الموضوعات المثارة، ونوعية الكلمات المطروحة، حيث إنه مع ظهور حركات المقاومة الثورية ضد المستعمر في منتصف القرن العشرين، كان الراي مزيجًا من موسيقي البدو والأغاني الجبلية، خارجًا عن أغنيات اللهو الفرنسية، والفلامينكو الإسباني اللذين كان لهما أثر فى الراي نتيجة المستوطنين الفرنسيين واللاجئين الإسبان ممن وفدوا إلى وهران، موطن الراي، وذلك في القرن التاسع عشر.

عانت موسيقى الراي أشد المعاناة في العشرية السوداء بالجزائر؛ حيث الصراع بين الجيش والإسلاميين، واغتيل مطرب الراي الأشهر الشاب حسني، ومنتج الراي رشيد باب في تسعينات القرن الماضي، وكان لذلك بالغ الأثر في ازدياد شعبية الراي، وارتفاع مبيعات الأشرطة في ذلك الوقت.

يمكن لمحبي ومستعمي الراي ملاحظة ذلك الأثر العميق للصوفية وأقطابها على هذا اللون الموسيقي، فما زالت كلمات الراي تزخر وتتغني بأقطاب الصوفية، مثل سيدي عبد القادر، وهو الإمام عبد القادر الجيلاني المتصوف الشهير، وسيدي بومدين، وهو الشيخ الصوفي في تلمسان، وسيدي عبد الرحمن، والمقصود به الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري في مدينة الجزائر، وسيدي الهواري الولي الشهير في مدينة وهران.

(سيدي بومدين جيتك قاصد تجيني بالمنام نبرا)، هكذا ينشد الشاب خالد والشاب مامي مناجاة لسيدي بومدين صاحب المقام بمدينة تلمسان طالبين منه المدد الروحي والدعاء عند الله، وهو من الأولياء المشهورين في الجزائر يقصده القاصي والداني طلبًا للدعاء، أناس من مختلف الطبقات الاجتماعية، أساتذة جامعة، ومهمشون، وفقراء، وأغنياء، ومثقفون.

(سيدي الهواري ولد السادات سره وبرهان من عند العالي)
يقول الشاب مامي في أغنيته (وهران) التي يناجي فيها وهران، ويذكر مقام سيدي الهواري المشهور، ويقول إن وهران مشهورة منذ قديم الزمان ويتكفل بأحوال العباد بها هذا الولي سيدي الهواري صاحب السر والبرهان والقرب عند الله.

خالد وسيدي ميمون

من القصص المنتشرة في الجزائر تلك القصة عن علاقة الشاب خالد بالطرق الصوفية، حيث كان خالد في سن صغيرة يغني في الأفراح، وفي أوساط التجمعات الصوفية، وكانت طريقة تسمى القناوية (كناوة) تشتهر بطقوس وشعائر فك السحر وتسخير الجن وفي إحدى المرات كان خالد يحيي أحد الأفراح؛ فشهد موقف إخراج جان من العروس، فنطق الجن موجهًا حديثه لخالد: (انت مستور)، وذلك في المعني الصوفي بمعني الحصن والأمان، وتم تحذيره من أن يغني للقناوية على الملأ.

ومن أغنياته المشهورة (ميمون حبيبي)، ويقول فيها: (ميمون حبيبي شاشيه حمرا وجديدة، واش بغى سلطان كناوة، واش بغى ميمون حبيبي، يا بالأحمر واش جابك عندي للدار، جيتك قاصد بالنية بالله تشفق عليا يا ميمون قناوة).

درويش تورني

وهي أغنية للشاب خالد غناها بالفرنسية تحكي عن الدراويش الصوفيين والرقص الدائري الذي تشتهر به الطريقة المولوية المنسوبة للصوفي الشهير جلال الدين الرومي، حيث يغني خالد في هذه الأغنية عن الحالة الصوفية بما تحمله من وجد وانتشاء جراء الذكر والرقص والتمايل.

عبد القادر

أشهر أغنيات الشاب خالد على الإطلاق، غناها مع الثنائي رشيد طه وفضيل في عام 1998، يناجي فيها الشيخ الصوفي عبد القادر الجيلاني، وسيدي الهواري وسيدي عبد الرحمن، تجازوت شهرة عبد القادر محيط شمال أفريقيا والبلاد العربية؛ لتجتاز البحر وتصل إلى أوروبا، حيث غناها الثلاثي في باريس في الحفل الشهير (123 سوليي)، وتم إنتاجها ضمن الألبوم الموسيقي المتضمن لأغنيات الحفل الأربع والعشرين الأخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دين, فن, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد