ما أحب المطر حين يكون الجدب والقحط! يلقي بحباته إلى الأرض المتلهفة عليها، تكاد تقفز إليها غير صابرة على الانتظار لحين وصولها، تقلبها يمنة ويسرة على شفتيها قبل أن ترسلها بكل حب إلى قلبها، فتنبض فيه الروح من جديد، ليمد شرايين الأرض بدماء الحياة، فتنفجر الينابيع، وتتدفق العيون، وترتوي الأزهار والثمار، وتكسو وجه الأرض لون أخضر بديع، تزينه ألوان وألوان لأزهار وثمار، طالما انتظرت شوقًا قطرات الحياة تلك؛ حتى تزهو ألوانها فتختال بزينتها وبهرجها.

ما أشبه حروف مطر بحبات المطر! تسقط من علياء شموخ معانيها إلى القلوب العطشة، والنفوس الظمئة، والأرواح المتلهفة، والعقول التي كادت تموت من جدب وقحط أحاطا بها منذ زمن، تسقط فتدب معها حياة بعد موت طويل ضاع معه كل أمل ورجاء!

مطر! له نصيب وافر من اسمه! ينتظر العطشى قطرة من المطر، ويترقب الظمأى كلمات مطر ومعانيه! تحيي حبات المطر أرضًا جف ضرعها، وتلهب كلمات مطر مشاعر وأحاسيس ربما تبلدت منذ زمن غير قريب! إذا انهمرت أمطار ربما شقت طريقها سيولًا تجرف أمامها كل شيء، وإذا بقصائد مطر تهطل طوفانًا تسوق تحت سوط كلماتها جبابرة وعتاة وظالمين! ربما تغرق الأمطار حين كثرتها قرى ومدنًا حتى حين، وربما أغرقت لافتات مطر عروشًا وكراسي، وحطمت قضبانًا لأكابر أباطرة عتاة قبعوا على قلوب المستضعفين من شعوبهم لسنين!

لا شعر قرأت إن لم تقرأ لمطر، لا نظم عرفت إن لم تر نظم مطر، لا أدب درست إن لم يكن فيه مطر! ينظم الشعراء صفحات ليرسلوا لك معنى، يختزلها في لافتة واحدة مطر، يخطب الخطباء الثوار ساعات ليستفزوا مشاعرك، فيلهبها لك في سطرين اثنين مطر! ينفجر صدرك من كظم غيظ وكتم ما في وجدانك فيبوح لك بما تخشاه مطر، تخشى هذا وتهاب ذاك ويساوي كرامتهما بالوحل مطر! حتى إذا ملت إلى الترميز، والتشبيه، والإخفاء؛ فسلاحك فيهم كلهم مطر، تفقد الآمال فيبثها فيك مطر! يغنيك تلميح عن التصريح مطر، وإذا كنت مغوارًا شجاعًا فسيد التصريح بين يديك مطر!

ما أروع الكلمات حين ينظمها مطر! كأنما قد أوتي المزمار لكن في النظم مطر، ربما شرب في صغره وارتوى من نهر له مداد حبر قد ذاب بين أمواجه حين ألقاه المغول في سالف الزمان. ألم يلق التتار بمكتبات فيها شتى العلوم والفنون في النهر؟! لم يخطر ببالهم حينذاك أن ذلك الحبر سيظل من مكونات الماء حتى يأتي من يرتوي منه ريًّا وعلمًا، وفنًّا وأدبًا، وفصاحة ولغة، وبلاغة ونثرًا، ونظمًا وشعرًا! كم شرب وارتوى منه مطر؟!

مطر وسراب، هو وعالم من الشعراء كمثل غيث وسراب بقيعة! تسمع عن هذا الشاعر الذي هو ملء السمع والبصر، ويملأ الشاشات والفضائيات، والصحف والمجلات هنا وهناك بما يسميه شعرًا. تقرأ له فإذا كلامه لا يتعدى كلامًا موزونًا مقفىً مسجوعًا، لكنه لا يقرب الشعر ولا يعرفه! فمثلك ومثله كمثل الظمآن الذي يحلم بقطرات الماء فإذا به يرى سرابًا من بعيد يحسبه ماءً حتى إذا وصل إليه لم يجده شيئًا. إنه مجرد سراب! أما مطر فبحر عميق من بحور الشعر، وغيث فياض من المعاني والكلمات، ونهر سائغ شرابه من الصور والتعبيرات واللغويات تكاد لا تجد من يفري فريه!

اقرأ سطرًا لمطر، وظل ساعات تشرح في معانيه! ثم ابحث عن غيره، كم يستغرق من الكلمات والأبيات ليعبر عما عبر عنه هو في كلمات معدودات!

قال الصبي للحمار:

يا غبي!

قال الحمار للصبي:

يا عربي!

يوفر مطر عليك العجب في قراءة التاريخ حين يقص عليك «حكاية عباس» و«الثور والحظيرة»، يلخص موقف الحكام من الشعر الصادق حين يلقي على مسامعك «شعر الرقباء»، يكشف مدى الذل والقهر الذي تعيشه الشعوب حين يحكي لك عن «عصر السحق والعصر»، ويبث الأمل في قلوب اليائسين قارئًا عليهم «ثارات»، وفي «إهانة» يكشف الغمام عن المتحكم في أمورنا ورقابنا، وعن عدالة أولي أمرنا يحكي في «كلب الوالي»، وعن حالنا يحكي ويبدع في «أوصاف ناقصة»، وعن كل معنى رائع تجد له «لافتة» فخذ العبر والعظات، كذا الضحكات والنكات، مع الدموع والعبرات، والنفحات واللفحات، كلها تجتمع بين يديك في «لافتات»!

خذ مثالًا على لافتاته أختم به كلماتي عنه:

تحت عنوان «أقسى من الإعدام»:
الإعدام أخف عقاب
يتلقاه الفرد العربي
أهنالك أقسى من هذا؟
طبعًا
فالأقسى من هذا
«أن يحيا في الوطن العربي».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب
عرض التعليقات
تحميل المزيد