في سياق حديثنا عن الانفتاح الذي قام به الغرب خلال السنوات الخمس الأخيرة باحتواء المثليين اجتماعيا وسن القوانين التي تسمح لهم بالزواج المثلي وحصولهم على كامل حقوقهم في البنوة والتبني والميراث والعمل، والتي ربما حظوا بمعظمها تحت ضغط عدد لا بأس به من جمعيات مدنية لا تتبع أي من الديانات كالمسيحية او اليهودية، والتي هدفها الأساسي ليس فقط التعريف بحق “المثلي” في أن يحظى بحياة شبية بتلك التي يعيشها الرجل “المستقيم” بل ودمجه بالمجتمع دمجا كاملا ليصبح شخصا فعالا كأي إنسان عادي! فلا نكاد حاليا نشاهد فيلما أو نتابع مسلسلا أو نتصفح أخبارا عالمية إلا ونجد فيها من القدر غير القليل عن حقوق أولئك المثليين والزج بفكرة تقبلهم للجمهور زجا بشكل أو بآخر، ومحاربة فكرة رفض الجنسية المثلية “homophobia” على اعتبارها صنفا من صنوف العنصرية “Racism”، وهي النغمة التي عَلا صوتها بشكل كبير سواء مدنيا أو إعلاميا على عكس ما كان معروفا منذ عشر سنوات مثلا من نظرة تحقيرية وتهكمية لتلك الفئة (LGBT).

 

ربما كل هذا كان ليبدو عاديا إذ ما تخطينا حدود تعاليم الأديان لمفهوم حقوق الأقليات. لكن في عام 2013 أعلن بابا الفاتيكان موافقتة الدينية والروحية على زواج المثليين بمؤتمر صحفي مصغر أقيم على متن طائرة كانت عائدة به إلى روما بعد حضوره يوم الشباب العالمي، صرح فيه بشكل مقتضب قائلا:

 

عندما أقابل شخصا مِثّلي، علي أن أفرق بين كونه مِثّلي وبين كونه جزءا من فريقٍ للضغط. فإذا كان هؤلاء المثليون يتقبلون الرب ولديهم نية طيبة، فمن أكون أنا ساعتها لأحكم عليهم؟ إذ لا يجب علينا تهميشهم، فهم أخوة لنا بغض النظر عن مشكلة تثيرها حقيقة ميلهم للشذوذ الجنسي“!

 

 

وإن كان هذا رأي بابا الفاتيكان، المعروف بتفتحه نحو تقبل الآخر على اختلاف ذلك الآخر، ولسنا به حتما بملزمين، فما هو الحال إذن إن علمنا بوجود جماعة من أئمة المسلمين، من أصحاب قوس قزح؟

أئمة المساجد المثليون

 

في أواخر عام 2014 نُشرت عدة مقالات في مواقع إخبارية عالمية كالواشنطن بوست ونيويورك تايمز وحتى الجزيرة الإنجليزية لتقديم ما يسمى “بالأئمة المثليين” للمحتوى الإعلامي العالمي! أردنا أن نذكر الرواد منهم، للتعريف بالأمر.

  1. ضي عبد الله: أفريقي-أمريكي، يعمل إمامًا لجماعة من المسلمين، المثليين، بمسجد “ضوء الإصلاح” بواشنطن. ويذكر عبد الله أن الحاجة هي ما ألجأته إلى الإمامة، ففي حادثة موت أحد أصدقائه المسلمين المثليين جراء مرض الإيدز، لم يجد أهله احدًا من الأئمة يقبل بالقيام بمراسم صلاة الجنازة والدفن، فأوكلوا إليه تلك المهمة، وهي الحادثة التي حثته لكي ينظم مع جماعة من المسلمين المثليين مجتمعا مصغرا يتخذ مسجد ضوء الإصلاح مقرا لخدمتهم. وبالإضافة لإمامة الصلوات الخمس، ومراسم صلاة الجنازة، عبد الله لديه أيضا صلاحيات عقد القران للمثليين. جدير بالذكر أن عبد الله ولد لأبوين كاثوليكيين يعملان بإحدى الكنائس، وتحول حديثا للإسلام!  

    061915_1610_2.jpg

     

 

  1. محسن هندركس: باكستاني يحمل الجنسية الجنوب أفريقية ويؤم أكبر تجمع للمسلمين المثليين في مدينة “كيب تاون”. هندركس كان أول إمام يعترف بمثليته بالرغم من انحداره من عائلة تمتهن الإمامة في المجتمع المسلم بجنوب أفريقيا”. هندركسن بعد زواجه وإنجابه أولاده الثلاث اتخذ قراره بمصارحة عائلته بأمر مثليته، وأخذ على عاتقه العمل على نشر ثقافة التقبل والتقريب بين جماعته التي يرأسها وبين الآخرين، على حد قوله.  

     

    ويقوم هندركس بالإمامة وتقديم دروس الدين الإسلامي منذ سنوات بمنظمته “الدائرة الداخلية”، كما قام بتقديم كتاب باسم “الحجاب: إزاحة الستار عن حياة المسلم المثلي“! والذي يقول في مقدمته:

     

    هذا سهم من قصصٍ مختارات من واقع الحياة لأولئك الذين ناضلوا ومازالوا يناضلون للتوفيق بين الروحانية وحياتهم الجنسية. وهذه القصص توضح وحدانية الوجود والتفكير في كيف أن بعض تفسيرات الكتاب المقدس (= يقصد القرآن الكريم) قد تنفر أولئك الآخرين “المختلفين“.

  2. لودفيك-محمد زاهد: فرنسي من أصول جزائرية، ومؤسس أول مسجد للمسلميين المثليين بباريس/فرنسا، حيث يتم الترحيب بكل الأقليات المثلية وتقام الصلوات التي يصلي النساء فيها بجوار الرجال جنبا إلى جنب. زاهد الذي يقول أن أمه التي كانت تعامله خلال طفولته وحتى سنوات شبابه الأولى كابنتها وليس كابنها، هي أول من عارضت مجاهرته بأمر مثليته معارضة قوية، إلا أن دعم والده جعله قادرا على متابعة ما يريد من نشر ثقافة تقبل الآخر خاصة في وسط مجتمع المسلمين المنحدرين من أصول عربية كالجالية الجزائرية. ولقد تعرض زاهد لتهديدات كثيرة بالقتل والتشهير لذا فضل الهجرة إلى جنوب أفريقيا حيث يعيش مستقرا يعمل كإمام وسط جماعته من المسلمين المثليين.  

     

هل حرم القرآن المثلية الجنسية؟

 

من وجهة نظره وفقط، يجيب ضي عبد الله، إمام مسجد ضوء الإصلاح بـ “واشنطن”، ردا على سؤال وجهه له محاور بموقع Vice عن سبب تحوله من المسيحية للإسلام بالرغم من معرفته أن معظم المسلمين يوقنون أن القرآن حرم المثلية الجنسية، إنما الأفعال الجنسية التي أدانها القرآن هي التي مورست دون موافقة الطرف الآخر، فكان نوعا من التعذيب (يقصد فعل قوم لوط)، فتلك الأفعال الجنسية هي التي حُرمت وليس الميل الجنسي المشترك، فالقرآن لا يدين أي ميول جنسية!

 

ومن وجهه نظره فقط أيضا، يذكر محسن هندركس، إمام منظمة الدائرة الداخلية بمدينة “كيب تاون” ” في الإسلام، ينبغي أن تكون شخصيتك تجسد ما جاء به القرآن. لكن القرآن ليس ضد المثلية الجنسية. وقد بدأ العلماء مؤخرا في الاتفاق على ذلك في وقتنا الحاضر، فكل ما يمكنهم قوله هو أنها خطيئة ولكن ليست بجريمة! إلا أن شيئا لم يذكر عن الشذوذ الجنسي بالقرآن، فلديك حادثة سدوم وعمورة، والتي إذا تمت دراستها بشكل صحيح تجد أنهم استحقوا العذاب لتفشي الدعارة، والتحرش الجنسي والاغتصاب! لا يمكننا أبدا تغيير القرآن، ولكن يمكننا تغيير ما تم فهمه من تفسيره“.

 

فيما يرى علماء السنة التقليديين المعاصرين كالشيخ محمد مختار الشنقيطي والشيخ عبد الله بن حامد، مع تأكيدهم على أن من يأتي بتلك الأفعال من المثلية الجنسية هو “فاسق“، إلا أنهم يرون أنه لا توجد ثمة عقوبة زمنية منصوص عليها في المصدرين الأهمين للشريعة الإسلامية، القرآن والسنة، تقضي بعقوبة المثلي الجنسي لمجرد “كونه” مثليا جنسيا دون إرادة منه ودون إتيانه بالفعل جهرا.

 

فعلى الرغم من أن بعض الفقهاء الكلاسيكيين يعتبرون أن إتيان مثل هذه السلوكيات الشاذة عن الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها هو فعل غير أخلاقي، إلا أن المسألة باتت لتأخذ منحى أكثر تطورا! فالشيخ حامد العلي في كتابه “مثليو الجنس والتحدي لأخلاقيات المسلم” قام بتوثيق كيف حاول بعض الفقهاء أن يفهموا سلوكيات أولئك الذين يتصرفون بسلوك جنسي شاذ “المخنثين”، وما إذا كان ذلك على أساس فطري أو عن طريق الاختيار. وقال إنه اقتبس من الإمام يحيى بن شرف النووي رحمه الله (1277م) أنه “ليس ثمة ملامة، أو خطيئة ملصقة، أو عقاب واقع بشرط إذا ماكان الشخص على مثل ذلك النحو من الميل الجنسي الشاذ بغير إرادة منه، فهو مُعَذّر“.

 

و يشير الشيخ علي أيضا إلى الفقيه “الحافظ ابن حجر العسقلاني (1448م) والذي استشهد من أقوال الإمام ابن جرير الطبري (922 م) على أنه “إذا ما ظهرت على الرجل خواص أنثوية نظرا لطبيعته التي خُلق عليها دون إرادة، فبدلا من عقوبته يجب أن يتم تعليمه تدريجيا للكف عن ذلك الأمر“.

شروط الإمامة في القرآن والسنة

بقي أن نعرف هل تصح صلاة إمام يعترف بمثليته الجنسية، وما هي صحة صلاة المأمومين، لذا سنستعرض شطرا من أقول الفقهاء بخصوص ذلك الشأن.

 

ففي كتاب “الإمامة في الصلاة: مفهوم وفضائل وأنواع وآداب وأحكام، في ضوء الكتاب والسنة” للشيخ سعيد بن علي بن وهف القحطاني، تم تحديد أهم شروط الإمامة للصلاة، وهي أن يكون الإمام مسلمًا، فلا تصح صلاة الكافر فضلًا عن إمامته، اتفق على ذلك العلماء، فالكافر لا يقبل منه صرف ولا عدل، ولا يقبل منه عمل حتى يدخل في الإسلام كما قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (85) سورة آل عمران. وقوله: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} التوبة: 54.

 

و أن يكون القوم وراءه راضين عنه، لحديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون“. وعن عمرو بن الحارث بن المصطلق قال: كان يقال: أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة اثنان: امرأة عصت زوجها، وإمام قومٍ وهم له كارهون. ويخرج بهذا الشرط من أم قومًا وهم له كارهون، فقد اتفق الأئمة الأربعـة على أنه يكره أن يؤم المسلم قومًا وهم له كارهون، وذلك إذا كرهوه لمعنى مذموم شرعًا كأن يكون ظالمًا، أو يعاشر أهل الفسوق، أو ينقص هيئات الصلاة ولا يكملها، أما إذا كرهوه لغير ذلك، وهو مع ذلك ذو دين وسنة فلا تكره إمامته.

 

كما يذكر في نفس الكتاب أن إمامة الفاسق الذي تصحّ صلاته لنفسه صحيحة على القول الصحيح من قولي أهل العلم، إذا كانت معصيته أو بدعته لا تخرجه عن الإسلام، لكن ينبغي أن لا يرتب إمامًا في الصلاة وغيرها.

 

واقتبس القحطاني بنفس الكتاب عن قول الإمام الطحاوي رحمه الله: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم). وقد تكلم الشارح كلامًا نفيسًا رجح فيه صحة الصلاة خلف الفاسق، وأن من أظهر بدعته وفسقه لا يرتب إمامًا للمسلمين؛ لأنه يستحق التعزير حتى يتوب، وإن أمكن هجره حتى يتوب كان حسنًا، وأما إذا كان ترك الصلاة خلفه يفوت المأموم الجمعة والجماعة، فهذا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور ليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية، فلا يترك الصلاة خلفه بل الصلاة خلفه أفضل، فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما؛ فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، بحسب الإمكان، فتفويت الُجمَع والجماعات أعظم فسادًا من الاقتداء فيهما بالإمام الفاجر، ولا سيما إذا كان التخلف عنها لا يدفع فجورًا فيبقى تعطيل المصلحة الشرعية دون دفع المفسدة.

 

ومما سبق جميعه نجد أن صلاة أئمة أصحاب قوس قزح حسنة لأنفسهم مكروهة للمجموع (إن كانوا كارهين، لكن في هذه الحالة من يأمونهم جماعة من نفس جنس عملهم “مثلييون”، وهم ليسوا بأئمتهم كارهين!)، لكن أصلا من وجب عليه التعذير شرعا وجب عليه الهجر حتى يتوب فلا تُرتب إمامته رغما عن جماعة المسلمين الكارهين له، إلا مخافة فوت المأموم الجمعة والجماعة، وتلك والله أعلم أضيق الحدود أجمعها، إذ أن شيئا ما عاد يُترك للظروف في زماننا هذا، وأصبح المسافر يعلم تماما أين يحل وأين يصلي باستخدام تقنيات البحث المفصلة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد