«وأنا جالس مع عم إدريس مر أمامنا «حلبي»، عم إدريس أخذ مسافة يتأمل وبعدها قال لي قسمًا يا محمد لقد ملأ الحلب بلادنا يجب أن يرجع أي غريب عن هذه البلاد لموطنه الأصلي، كانت إجابتي: يا عم إدريس لو رجع الجميع لبلدانهم الأصلية ستكون أنت أول من سيرجع لتشاد وأنا بعدك مباشرة سأرجع نيجيريا».

توضيح

عم إدريس: من أصول تشادية فعلًا وأسرته الكبيرة مستقرة هناك.
الحلبي: بالعامية السودانية تعني أي شخص فاتح البشرة نسميه «حلبي»، قد يكون من أصول شامية تركية خليجية مصرية مغربية أو غيرها.
أنا: من أصول نيجيرية «أنتمي لنفس قبيلة زعيم بوكوحرام النيجيرية الحالي».
يعجبني جدًا هذا التعدد الموجود في هذه البلاد، لديها تعدد عجيب في اللغات واللهجات والأمزجة والعادات والثقافات وطيف واسع ومتعدد في الشكل في الأعراق في الدين في الطوائف، والأجمل أن هذا التعدد تمازج بطريقة عميقة وعفوية تم هذا الخلط «بدون أي تدخل مقصود»، لم يحدث تنوع وتمازج بهذه الروعة في أي مكان في العالم عدا الولايات المتحدة «وبتدخل سياسي مباشر منها» وما تزال أمريكا في بداية الطريق لتصل لمستوى السودان، لقد أخذت أمريكا أفضل ما في أوروبا وطورته واستبعدت سلبيات الأوروبيين «لذلك الولايات المتحدة دائمًا متقدمة على أوروبا بخطوة» هذه الخطوة في مجالات كثيرة مثلا في مجال تقسيم المناطق داخل الدولة و الحكم الملكي «أوروبا إلى الآن متمسكة بالحكم الملكي في بعض الدول برغم صورته الشكلية لكن الهدف الاساسي لهذا التشبث هو التغطية على مصيبة التقسيم العرقي الإقليمي «معظم دول أوروبا أقاليمها مقسمة حسب عرق معين في مساحة معينة.
وأحيانًا يكون لدى كل إقليم لغة مختلفة وثقافة مختلفة عن الإقليم الآخر» وهذه قنبلة موقوتة في أي دولة في العالم. فإذا لم تدار السلطة بطريقة عادلة 100% ستنفجر مباشرة في أي وقت، أمريكا تقدمت على الأوروبيين في هذه النقطة بعدم تقسيم الأقاليم أو الولايات على أساس عرقي واحد «مثل ما حدث في السودان بالضبط» وابتعدت عن الحكم الملكي لكنهم وإلى الآن يحاولون وبجدية دمج الأعراق المختلفة التي دخلت أمريكا بكل الطرق «وأبلوا بلاءً حسنًا يحسب لهم» لكنهم أيضًا برغم جهدهم الكبير لم يصلوا لمستوى الدمج الذي حدث في السودان.
بدون أي تخطيط مسبق ستجد سودانيين من قبائل شمالية أو من الغرب أو الوسط موجودين في الجنوب «أصبحوا سكانًا أصليين» وسكان قدموا من من غرب السودان استقروا في الشرق والوسط ومن الشرق سكان استقروا في الوسط وكما هو معروف مصطلح «الجلابة» الذي يعني التجار المهاجرين الذين يستقرون في الأماكن التي يديرون تجارتهم منها فهم منتشرون في كل السودان وأسسوا تجارة واندمجوا مع المجتمعات التي هاجروا إليها والجنوبيون أيضًا منتشرون في كل السودان خصوصا في الوسط «حتى بعد الانفصال».

الجميل أن هذا الخلط حدث عفويًا بدون تدخل سياسي مباشر أو توجيه من أي سلطة، تنقلات السودانيين كانت حسب ضرورة العمل وأحيانًا ضرورات قتالية «طوعية» كما حدث في الثورة المهدية التي أسست لشكل السودان الحديث بخارطتة، ونوعًا ما شكل سكانه الحاليين.

تخيل أن تركب الحافلة وأنت ذاهب للعمل صباحًا والركاب كلهم من نفس اللون والدين واللغة واللهجة والمزاج والتصرفات والشكل «مثل دول كثيرة»، مسألة مملة جدًا وعصية على أن تعاش فترة طويلة لكن هنا العكس تمامًا كل سوداني عبارة عن قصة مختلفة، مزاج مختلف، تاريخ مختلف، شكل مختلف، أصل مختلف، لهجة مختلفة، برغم ذلك هنالك ما يجمعهم كسودانيين «طبعهم جاد ووهج الشمس المنعكس على وجوههم جعلهم يبدون كالغاضبين طول الوقت» هذه هي الجمالية المفقودة في بلدان كثيرة وهنا المتعة في الاكتشاف والمقارنة والاستماع والاستمتاع لكل قصة شخص والتأمل فيها وفي تفاصيلها كل وجه قصة مختلفة، فلك أن تتخيل كم قصة تقابل يوميًا.

الفنانة السودانية نانسي عجاج اختصرت هذا التنوع في مقطع أغنيتها الذي يقول «ناس من كل لون تعمرت أنسابها والنيل في الهجير دوزن وتر أعصابها».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد