رواية عساكر قوس قزح لآندريا هيراتا، أول ما تُرجم من الأعمال الأدبية الإندونيسية إلى العربية. رواية مُلهمة! الحديث عن بيئة مختلفة عن بيئتك يكسبك متعة وكأنك سائح حقيقي، تعيش مع أناس غرباء وتشعر بالقرب منهم أيضا، تشعر بالحميمية مع تلك الطبيعة المجنونة المختلفة في الحر والأمطار، ومع الرياح، والمغامرات في طريق المستنقعات مع التماسيح، وذكريات في قمم الجبال، وفي الكهوف المخيفة، ومع البحر، والغابات المليئة بالغرائب والأساطير، والجزر الفقيرة المترامية والطرق الوعرة، وناسها المختلفون في أصولهم وعاداتهم وقيمهم وديانتهم وطريقة حياتهم وصعوباتها، وهكذا ترسم في خيالك تلك الحياة من خلال هذه الراوية البسيطة والسلسة والعميقة.

الجزيرة بيليتونج غنية بالقصدير لكن الاستعمار لم يتركها حتى لو رحل، إرثه بقي واستمر في نهب أغلى ما تملك، وأصحاب الأرض مجرد عمال فقراء عند ذلك المستعمر الذي ينهشهم يوميا، في تلك الجزيرة واضحة الحدود بين العمال والموظفين، هناك مدرستان، مدرسة نموذجية للأغنياء ولأبناء الموظفين، ومدرسة التي هي موضع حديثنا لأبناء العمال والفقراء، وضع التعليم ليس جيدا نهائيا بالنسبة لأبناء العمال فهو متهالك وهم من صغرهم يعملون، لا يوجد فرص أخرى لهم في الحياة.

الرواية هي حكاية عشرة طلاب في مدرسة عريقة وقديمة وآيلة للسقوط، ومتهالكة “المدرسة المحمدية” الشامخة بهدفها وطموحها في الخروج بأولاد فقراء متعلمين، لكن تلك المدرسة تواجه صعوبات أكبر من بنيانها وحالتها المادية، هناك أيضا مفتش المدرسة متربص بها، ينتظر زلة حتى يغلقها كونها بالنسبة لوضع المدارس الأخرى سيئة للغاية، وهكذا وجد المعلمان والطلاب العشرة في تحد صعب للاستمرار في التعلم . التحق هؤلاء الطلاب المختلفون في أصولهم وطباعهم وآمالهم وطموحاتهم ومستوى ذكائهم بالمدرسة حتى يجدوا ملاذا آخر، ولأن أهاليهم ظنوا أن تعليم أطفالهم سيغير من وضعهم.

بداية الرواية مشهد يخطف الأنفاس يحكي عن الانتظار؛ إما الفشل أوالنجاح لحياة كل الطلاب الذين أرادوا الالتحاق بالمدرسة، الطالب العاشر هو الفارق لدرجة تغيير مستقبل المدرسة بمعلميها وبطلابها الحاضرين، هو المنقذ و شرط لإعادة فتح المدرسة أن يكتمل عدد الطلاب إلى عشرة. تفتح المدرسة بمشهد أحسن ما نصفه بأنه “الأمل” وتبدأ الرواية بمسيرة التعليم.

رواية بلسان طالب المدرسة المحمدية يتحدث عن معلميه وعن زملائه كل منهم بماذا يتميز، يعرض لنا الطالب لينتانج العبقري الصغير، ومهيار الفنان المرهف المبدع، هما اللذان خلقا توازن المدرسة وحفظاها من كل خطر. وكوتشاي عريف الصف، السياسي المراوغ المخادع، وشمشون الذي يمثل القوة في الجسد فقط، وأكيونج الطالب التابع الجاهل، وسهاري الذكية الحذقة، وتاراباني الوجه الجميل، أقوى ما يجمعهم هو حبهم للتعليم وإصرارهم على إكماله، الحلم والطموح هو ما قوَّى أواصر العلاقة فيما بينهم، هؤلاء هم “عساكر قوس قزح”.

 

بما أن حديث الرواية عن رحلة التعليم والمدرسة المحمدية، فمن الطبيعي أن يخطر في بالنا، نظامنا التعليمي والمدرسة وتأثيرها في حياتنا. المشهد الذي جعلني أشعر بالفرق وبالحيرة من حالنا هو مشهد عساكر قوس قزح “الطلاب العشرة” في أسوأ حالات الجو يحضرون إلى المدرسة لا يأبهون للأمطار فيحملون مظلاتهم ويكملون يومهم الدراسي بشكل عادي، لماذا يحرصون على التعليم؟ أهو بسبب البيئة الفقيرة وأن المدرسة تمثل لهم مكانا مختلفا عن حياتهم البائسة أم هناك سبب أكبر من ذلك؟ السبب كان بسيطًا هو أن التعليم والمدرسة تمثل لهم النجاة من البؤس، تمثل لهم الحياة الجميلة، تُشعرهم بالرقي والسمو، تجعلهم يحترمون أنفسهم أكثر ويزدادون ثقة وأملا في أنفسهم وفي الحياة.

 

كل الأنشطة التعليمية والأساليب التعليمية الجديدة ووسائل التكنولوجيا الحديثة والنظريات العلمية لجعل التعليم محببا لنا لم تجعلنا نتوق ونحرص على الدراسة مثل حرص عساكر قوس قزح على الحضور لدرسهم اليومي على الرغم من فقر أدوات تعليمهم، عندهم ما قد نفتقده وهو الطالب الذي يرى في المدرسة طموحا واختلافا لحياته، و المعلم المخلص والمُلهم.

ما لا يدركه المعلم أنه يمثل البنية التحتية لبناء مجتمع متكامل، لا يدرك الفارق الذي قد يحدثه في حياة طلابه وبالتالي مجتمعه، توضح لنا الرواية مدى تعلق الطلاب بمعلمتهم “بو مُس” ومعلمهم “باك هرفان” فنعلم الخلل في نظامنا التعليمي. الطالب عندما يحضر إلى المدرسة فهو يدخل عالمًا يجهله تماما ومن البداية تبدأ فكرته تتكون من الذي يتلقاه في داخل المدرسة، وبالتالي يحكم على نفسه كيف يمضي في المدرسة، وفي نظامنا التعليمي نجد العقاب والنظام والالتزام لأطفال لا يعرفون معنى السكون والجلوس في مقاعدهم لخمس ساعات يوميا، وبالتالي يرى الطالب المدرسة كابوسا!

 

 

عن المدرسة المحمدية:

المدرسة المحمدية من اسمها توضح هدفها في بث القيم والأخلاق والاقتداء برسولنا عليه أفضل الصلاة والسلام في حياة الطلاب، المدرسة هي بمثابة دولة ونظام كامل يبني نفسه بأفراده بما يحتاجه ليحفظه بإنجازات العقل والفن، في القدرة على التحدي والصبر والجهد، هذا النظام وهذه الدولة تعرضت لانتكاسات لكنها صمدت بطلابها، أولئك برغم صعوبات الحياة والطبيعة لم يتخلفوا عن الدراسة، تحت المطر والرياح وأمام الدبابات أو الآلات التي تستخرج القصدير التي حاولت احتلال المدرسة الواقعة على كنز من الثروات، هم بشر يئسوا مرة واستسلموا لمغريات الحياة خارج المدرسة، لكنهم عادوا لأن هناك معلمة قالت لتلاميذها يوما أن فقد تلميذ واحد لا يختلف عن فقدانها نصف روحها! المجتمع الذي ينهار هو الذي فقد أساساته، فقد متعلميه عندما وجدوا أنفسهم على الهامش!

 

لكن الواقع يصفعنا أحيانا، الرواية مبنية على أحداث حقيقية، وكل من الطلاب لقي مصيره، لكن ذكريات الطفولة والحنين والتوق الشديد لتجربة التعليم التي بدت غريبة على تلك البيئة جعلت رحلة التعليم مغامرة وجرأة أضافت لهم ثراءً على الصعيد الشخصي، ولنا نحن أيضا.

تشبهنا تلك الرواية بكل التفاصيل حتى لو أتت من مكان بعيد ومختلف، المشاعر الإنسانية تجاه واقعنا وأحلامنا واحدة، تعلمت أيضا أننا بحاجة لليقظة للانتفاضة وللتفكر، رواية عن التضحية والإصرار والحلم والحب سترافقك البسمة وأحيانا الدموع، كم كانت الرحلة جميلة في طيات هذه الرواية البسيطة البريئة ذات المعاني العميقة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد