بحثت كثيرًا عن أفضل منهج في تربية الأبناء، فوجدت جهودًا بشرية متميزة كتبت في هذا المجال وأضافت الكثير من الوسائل والأساليب. ولكني وجدت في سورة لقمان أعظم منهج رباني في تربية الأبناء أو بمعنى أدق المقومات الخمسة الأساسية التي نحتاجها للقيام بالعملية التربوية الصائبة الدقيقة لتكون بشكل منهجي علمي.

ولقد أسس الإسلام منهجه التربوي العظيم بشكل يناسب كل إنسان مهما كانت صفاته وبطريقة متدرجة رائعة.

فاسمحوا لي أن نبدأ باستعراض الآيات المحددة أولًا من الآية (13).

  1. وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.
  2. وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ.
  3. وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.
  4. يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ.
  5. يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ.
  6. وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ.
  7. وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ.

ونستطيع أن نميز هنا أهم المحاور التي يقوم عليها هذا المنهج:

أولها المحور العقائدي

(يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).

يمثل الأساس العقدي العمود الفقري الأساسي لأي فكرة، والخلفية اللازمة لأي سلوك، بل ويمثل السند الرئيس في تقلبات الحياة وتغيرات الظروف المختلفة، لذلك كان الأساس الأول في منهج تربية الأبناء.

ولذلك يجب أن تستقر العقيدة في قلوب الأبناء منذ صغرهم حتى إذا ما تربوا نشؤوا على ثبات منهجي وفكري متميز راسخ.
ونقصد هنا بالأساس العقدي ما يمكن أن يستقر في قلب الأبناء من الإيمان بربهم وصفاته وأسمائه ومعنى العبودية والإيمان بالنبوات والكتب السماوية واليوم الآخر والقدر والغيب، فهو معنى إذن يحيط بالحياة من أطرافها. ولا نغفل غرس معنى الإخلاص منذ الصغر ليكون الله وحده ملء قلوبهم.

وكذلك أيضًا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقص عليه سيرته العطرة.

ثانيًا: محور بر الوالدين

يأتي في المقام الثاني بعد توحيد الله وغرس حب الله ورسوله في قلب وعقل الطفل، يأتي بر الوالدين تقدير أصحاب الفضل. ونجدهما أيضًا (التوحيد وبر الوالدين) مترادفين في آيات عديدة في القرآن الكريم.

وما لذلك من أهمية كبيرة في أن يتربى الطفل منذ صغره على احترام الكبير وتقدير أصحاب الفضل عليه.

وأعظم الناس فضلًا عليه هما الوالدان. ولذلك إذا تربى الطفل على احترام حقوق والديه فلا يمشي أمامَهما ولا يناديهما بأسمائهما مجردةً هكذا، بدونِ كلمةِ أمي أو أبي، ولا يجلسُ قبلهما، ولا يُخالفُ أمرهما، ولا يبدأُ بالطعامِ قبلهما، وأن يدعو لهما ولا يرفع صوته أمامهما، ولا يخرجُ إلا بإذنهما، ولا يزعجهما إذا كانا نائمين، ولا يمدُّ رجليه عندهما، ويُلبي نداءَهما بسرعة، إلى غيرها من الآداب مع الوالدين؛ فبالتالي سيحترم الآخرين ويعطي لهم حقوقهم ويقدر لكل ذي فضل فضله.

ثالثًا: محور الرقابة الذاتية

نقطة هامة جدًا، ومحور نحن في أمس الحاجة إليه في عصرنا هذا بالذات.

(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ).

ربما الصغير لا يدرك ولا يستوعب جيدًا المعاني العميقة في العقيدة وعلم الغيب، لكن القرآن يغرس هذه الرقابة الذاتية في نفوس الأبناء بهذه القصة أو هذا المثل. وكما قلت ما أحوجنا إلى هذه الرقابة الذاتية في هذا العصر الذي كثرت فيه المغريات وتعددت وسائل الفتن وانتشرت كالنار في الهشيم، وأصبحت التربية شديدة الصعوبة. ورقابة الوالدين شبه مستحيلة فهناك الإنترنت وبيديه هواتف ذكية وغير ذكية تأتي له بما لا يخطر على بال من كل صنف ولون، الطيب والخبيث.

لذلك أصبحت ضرورة التربية على الرقابة الذاتية منذ الصغر، وهي أن تكون مراقبة الله والخوف منه أهم شيء في حياته فهو الذي يراه في كل مكان وزمان. وبالتالي تكون إن شاء الله الحصن الحصين الذي يحفظه من الانحراف أينما كان وفي أي زمان (الله حاضري، الله شاهدي، الله معي).

رابعًا: محور التعود على العبادات

(يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ).

وهنا يبدأ بأعظم عبادة وهي الصلاة وهي إذا صلحت صلح سائر عمله، وإذا فسدت فسد سائر عمله. فتجعله دائم المعية مع الله. وإذا كانت هذه العبادة بينه وبين الله، فإن آثارها ونتائجها الإيجابية تكون ملموسة في معاملاته وأخلاقه.

ثم تأتي عبادة أيضًا عظيمة وهي هنا حركية بل تشرفت الأمة الإسلامية وكانت خير أمة عندما كانت تقوم بها وتربي أبناءها عليها منذ الصغر؛ إنها عبادة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

والمحور التربوي الخامس هو الأخلاق

(وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ. وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ).

فتربيتهم على الخلق الحسن هو القيد الذي يقيد السلوك عن الانحراف والجنوح والشطط، ومن لا خلق له لا صحبة له ولا أخوة، وينفض الناس من حوله، ويبغضه أقرب الناس إليه.

وعديم الأخلاق الحسنة تسيطر عليه نفسه فتدفعه إلى هواها فيقع في الأخطاء، وقليل الخلق لا يبدو عليه العلم مهما تعلم، وإذا كانت المناهج الأخرى تبني المواطن الصالح الذي لا يهمه ما يفعله الآخرون، فإن منهج الإسلام قد حاول أن يبني الإنسان الصالح صاحب الأخلاق الذي يحب للآخرين ما يحب لنفسه، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم ذاته يرى أن رسالته بأجمعها قد تتبلور في معنى واحد هو حسن الخلق والتربية عليه فيقول: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» أحمد، ويدفعهم للخلق الحسن بقوله: «إن أحبكم إلي وأقربكم مني منزلًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا» أحمد.

بلا شك أن كل محور من هذه المحاور يحتاج مقالًا خاصًّا به، بل مقالات وكتبًا. لكن كانت هذه إطلالة سريعة على المنهج الرباني من سورة لقمان ومحاوره الخمسة، أسأل الله أن ينفع بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تربية
عرض التعليقات
تحميل المزيد