انتهت أيام داعش في الرقة وكانت النهاية متوقعة، فحتى من خاض غمارها وفُتِن بها كان يعلم في قرارة نفسه أن دولته المزعومة لا تجري بأسباب منطقية لإنشاء الدول إنما هي تتواكل على وعد صادق من الله لعباده المؤمنين بخلافة في آخر الزمان. قلت: تتواكل، لأنها عملت على إقامة سلطة لا خلافة.

بعد أن انقشع ظلام هذا الليل الداعشي الطويل الأسود وجدت الرقة نفسها رهن معتقل آخر، وحبيسة سجن ثانٍ؛ وكما منّ الأولون عليهم بجهادهم يمنّ الآخرون عليهم بتحريرهم. فانتقلت الرقة من ليل أسود إلى نهار أغبر أصفر.

تمسكنت وحدات حماية الشعب حتى تمكنت، استلطفت قوى الغرب بدعايات المظلومية ودعوات إقامة دولة عرقية تحمي الأكراد على حد قولهم من العرب وظلمهم، هكذا رُفعت الأهداف ولذلك نُصبت الرايات ولأجل أن يبنوا دولة لا صوت فيها للعرب ولا قيامة فيها للإسلام دخلت قوات الغزو القسدي أرض الرقة.

منذ دخولها الأول كانت تتصرف تصرفات مشبوهة، فلا زالت حتى اللحظة ترفض فرقها الهندسية نزع الألغام من الأبنية في الرقة إلا بمبالغ مالية ضخمة.

وافتتحت فيها جمعيات ومنظمات مشبوهة التوجه، منها المدعوم أوروبيًا ومنها المتصل بنظام الأسد وكل ذلك لإعادة تدوير المجتمع الرقي على مبدأ «الغذاء مقابل الفكر» فبدأت الدورات الأوجلانية والمدارس العلمانية تنشط وبقوة.

طفح على السطح ما يعرف بالأكاديمية المغلقة والمجهزة بنظام شبيه بستار أكاديمي في محاولة لخلق جو من الغربة الفكرية والمنهجية لدى شباب الرقة. تصدر الواجهة شعراء ومغنون يمجدون أوجلان و دبكات النصر الموهوم ورقصات الحرية الزائفة وبانت بكل وضوح ملامح مجون المرحلة القادمة.

هذه هي الرقة اليوم ترزح تحت حكم قوى طائفية غربية منفلتة الدين والعقل والضمير، لا خطط ولا فكرًا حضاريًا ولا مشاريع على الأرض، يشرب محتوها نخب حريتهم المزعومة على رائحة الدم والجثث المدفونة تحت الأنقاض.

شغلهم اليوم تحرير المرأة الرقيّة على حد قولهم، ألا تبت أياديكم وخابت مساعيكم ومن قال لكم أنّ نساءنا مستعبدات، وإن كنّ كذلك فمن قال لكم أنهن يرغبن بحريتكم هذه.. حريتنا تختلف تمامًا عن حريتكم يا شذاذ قنديل! نساء الرقة نشطن منذ بداية الثورة في كافة الميادين وكنّ شقائق الرجال في حربهم ضد الأسد ونعم الشقائق نساء الفرات.

نساؤنا لا يطلبن الحرية ممن لا يفقهون معاني الحرية، كيف ستفهم المرأة الرقيّة أن من يدرسها الحرية هو من يمنع أبناءها من العودة إلى ديارهم وهو من يلاحقهم؟! كيف ستفهم المرأة الرقيّة الحرية من فوهة بندقية القاتل؟! ثم كيف ستفهم المرأة الحرية وأنتم تمنعونها من لبس نقابها وتشترطون لتوظيفها أن تخلع ترفع غطاء العفة على وجهها، وما هذه الحرية التي تتيح لكم التدخل في لباس النساء؟!

لا يعلم هؤلاء أن غالبية المنتقبات من نساء الرقة عندما منع النظام الطالبات من لبس النقاب في الجامعات لم يلتزمن بقراره، ولما شدّد على ذلك فضّلن ترك الدراسة على ترك النقاب. أتكلم عن أحداث في 2009 و2010 يعني قبل داعش بخمس سنوات فلا يتحججن أحد بأن داعش فرضت النقاب. وإن كانت هذه حجتهم فداعش منعت التدخين فهل ستجبروننا أن ندخن!

وأما عن غدرهم بأصدقاء الأمس فهذه قصة أخرى وحكاية ثانية، فمن قاتل معهم في كوباني وصرين ورافقهم في معارك تل أبيض والريف والمدينة؛ غدروا بهم وحاصروهم وسجنوهم  لا لتهمة أو جريمة إلا أنهم مازالوا يرفعون علم الثورة، فقط لأنهم لم يقبلوا أن يكون جسرًا لعبور الأسد وجماعته إلى الرقة من جديد. فقط لأنه لم يرض أن تكون معركته مع داعش معركة تبديل السجّان وتغيير الأقفال.

هذه قسد اليوم في رقة القهر المظلومة. أبنية مهدمة وجثث تحت الأنقاض ورائحة الدم والموت في الأزقة والشوارع، غدر بالصديق وتضييق على الناس ،لعب بالأفكار والمناهج والعقائد، وحرب على الحريات وقمع للمظاهرات، وحصار وحظر للتجوال واعتقالات ونهايتها مد جسور المحبة لمؤسسات الأسد وتصويره بأنه المهدي المخلّص.

هذا غيض من فيض سجن كبير أُطبق على الرقة لا يسمع بهم الإعلام ولا يتعاطف معهم النشطاء وتُركوا وحدهم على خرابات بيوتهم ينتظرون مصيرهم المجهول ولا يعلمون من السجان الجديد ولمن ستعطى أقفال الرقة بعد حين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد