لا يتذكر الكثير من الناشطين غير الرقيّين تفاصيل انطلاقة الثورة السورية فيها، ولكن أهل الرقة وثوارها يتذكرون كل تفصيل فيها، لا يغيب عن ذهن الرقيّ تفاصيل جنازة علي البابنسي رحمه الله الذي يُعتبر بو عزيزي الرقة، والذي قتلته عصابات الأسد وهو ابن 17 عامًا فخرج أهل المدينة والريف عن بكرة أبيهم يشيعونه في يوم من أيام الله، كان فيه المحتل الأسدي أضعف من أن يواجه هذه الموجة الشعبية، فاختبأ العناصر في مقراتهم وأخلوا شوارع الرقة من أي تواجد أمني أو عسكري، بل حتى شرطة المرور لم يعد لهم أثرٌ حينئذٍ.

لا ينسى شرفاء الرقة العهد الذي عاهدوه لأم الشهيد البابنسي حين خرجت من شرفة منزلها قبيل الصلاة على جنازة الشهيد فحيّت الناس بمشهد مهيب لا يغيب عن الذاكرة، وانطلقت الحناجر صدّاحة:

أم الشهيد.. نحن أولادك

لا تغيب هذه التفاصيل عن أذهان أهل الثورة الأوائل، ولا ينسون مجزرة الساعة وانشقاق عناصر من الجيش عند دوار الدلة، والحواجز التي طوقت البلد وخنقته، ومظاهرات جامع الحني والهندسة المدنية وكلية العلوم.

محاولات التظاهر في شوارع تل أبيض وقرب الفردوس والحشود التي كانت تملأ الساحات من عناصر الأسد لتمنع هتافات الحرية.

لا ينسى أهل الرقة حادثة  وصول كتيبة الفاروق إلى شركة الكهرباء، بالرغم من وجود حواجز النظام في كل نقطة، ولا يغيب عن أذهاننا حادثة إلقاء قنبلة يدوية على باص لقوات حفظ النظام في أول جسر تشرين، ولا اقتحام قسم الشرطة الشرقي الذي تم حرقه مع أنه في قلب البلد والنظام قائم حينها.

لم تكن الرقة يومًا خانعة لمحتل أو راضية بذل أو مطأطئة الرأس لسلطان جائر، بل كانت شعلة وقادة من الثورة والجهاد والكفاح.

من أوائل المعابر الحدودية التي خرجت عن سيطرة الأسد هو معبر تل أبيض، ومن أوائل الألوية التي تحاصرت وعزلت هو لواء 93 بالقرب من عين عيسى، حرر أهل الرقة ما يقارب عشرات الكيلومترات من أرياف الرقة في أقل من ثلاثة أشهر، وسقط بيد ثوارها أكبر السدود في سوريا، وحاصروا لوحدهم لواء وفرقة ومطارًا.

هل يوجد رقي ثائر لا يعرف أبو جاسم، ولم يرقص فرحًا عندما دعسته أقدام المجاهدين؟

دخل الرقيّون مدينتهم فاتحين بعد أقل من عامين من الثورة، ومرغوا أنف الأسد  الذي كان يراهن عليها كحاضنة بشرية له ولنظامه، وأسقط الرقيّون تمثال حافظ الأسد أو ما يحلو له تسميته (هُبل) في موقف تبكي العيون لذكراه.

ما حدث في الرقة أنه دخل بينهم حصان طروادة، تنظيم (داعش) الخارجي، فاستفاد من حالة الفصائلية عند العسكريين واستفرد بكل طرف على حدة، إلى أن جاء الأمر الدولي ببناء عش الدبابير في مدينة الرقة ليتجمع فيها كل الشباب المسلم المتحمس من الشرق والغرب من أفريقيا إلى أوروبا، وأصبحت المدينة مكسوة بالسواد، سواد القلوب قبل سواد الثياب.

استطاعت داعش أن تحشد حولها الآلاف ومرّرت عليهم شبهاتها واستفادت من حالة الجهل عند الأغلبية الساحقة من أهلها، وأقصد هنا الجهل بأصول الدين وصفات الفرق والطوائف الضالة.

ما حدث في الرقة أن داعش ضيقت أرزاق العباد وخنقت حرياتهم وسحبت السلاح من ثوارهم وملأت السجون بأحرارهم، وحاربوا الناس في جميع تفاصيل حياتهم، والكل يتفرج!

لم يصل ثوار الرقة رصاصة واحدة لقتال داعش، ولم تجرؤ فصائل الثوار في ريف حلب أو بادية حمص على دخول الرقة ومساعدة أهلها، فوقع ما يُخطط له من قبل أعداء الثورة والحرية، صارت الرقة يومئذٍ سجنًا كبيرًا لتأديب كل من يخرج عن طاعة الأسد، وكأنهم يقولون لنا:

إما إرهاب الأسد أو إرهاب داعش، أما أنتم فلن تحكموا بلدكم ولن نسمح لكم بتحريرها أو الدفاع عنها

بقيت الرقة ثلاث سنوات ونيّف تحت حكم داعش في فترة كانت كفيلة بزراعة القهر في قلوب الأحرار وإجبارهم على ترك البلد، وتشريد العقول وتزييف الحقائق وطمس ملامح الثورة في هذه المدينة الثائرة، حتى غدت رقتنا كفتاة يتيمة شاحبة الوجه نحيلة الجسد غائرة العينين.

فجاءت داعش الصفراء لتحل محل داعش السوداء وتستمر سلسلة معاقبة المدينة الثائرة وتهيئتها للعودة إلى بيت الطاعة الأسدي، وهذا هو موضوعنا في الجزء الثاني إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد