فيروس كورونا .. حين ندرك أن الأموال ليست لها قيمة

في الحقيقة أن ما يمر به العالم من أزمات وكوارث وأوبئة غير مسبوق في تايخ حياتي أنا الشخصي وعمري لم يتجاوز الثلاثين بعد، لطالما أحلل ما نفعله على «السوشيال ميديا»، وتحديدًا في الأزمات والمواقف الصعبة، وليس هناك أصعب من هذه المرحلة التي نعيشها، مرحلة تفشي فيروس كورونا المستجد، المتسبب في جائحة (كوفيد-19) والتي أصابت أكثر من 2 مليون شخص حول العالم، وقتلت أكثر من 177 ألف و800 شخص، لآخر إحصائية رصدتها وكالة الأنباء الفرنسية.

وغالبًا ما يعبر نشطاء «السوشيال ميديا» عن رأيهم تجاه ما يحدث حولهم بالكوميكسات الساخرة، المميز، فيديوهات التيك توك والتي انتشرت كالنار في الهشيم بعد تطبيق اجراءات العزل المنزلي في كثير من دول العام، حيث تحول الأمر في بعض الأوقات لسخرية من الوباء، والاعتياد عليه، حتى أنه ان ضيفًا في إحدى برامج التوك شو المصري، وتحديدًا مع الإعلامي جابر القرموطي على فضائية الحياة.

هل من متعظ.. هل من تائب.. هل من مستشعر بحال الفقراء والمساكين؟

وها نحن والعالم أجمع يعيش كارثة تفشي وباء أو جائحة (كوفيد-19)، المنبثق من فيروسات كورونا القاتلة، ها هو العالم يغلق أبوابه أمام الجميع، ها نحن الآن أمام تفشي وباء عالمي يحصد أرواحنا، وليس بعيدًا عني وعنك، ربما سيصيبني لا قدر الله، ربما أصابك عزيزي القارئ والحمد لله تعافيت منه، ربما لك أقارب توفوا بالفعل منه، وغادروا الحياة بلا وداع ولا صلاة جنازة، وربما شهادات أطباء إيطاليا أكبر دليل على بشاعة حتى لحظات الموت وما بعدها، ففي شهادة لأحد الأطباء الإيطاليين يقول.. «ترجى مسن في لحظات حياته الأخيرة بعدما تمكن الفيروس منه، ترجى من الطبيب أن يودع أبناءه وأحفاده، ليقرر الطبيب إبلاغ أبناءه وينفذ طلب المسن الذي يحتضر، وكانت الصاعقة الكبرى، هي الرفض من قبل الأبناء خوفًا من انتقال العدوى، ليصاب الطبيب بحالة من الاستغراب والاستنكار لدرجة جعلته يستشير طبيبًا نفسيًا من هول الموقف».

والشاهد من هذا الموقف، وتحديدًا مشهد المريض في إيطاليا والتي أصبحت الآن بؤرة انتشار الفيروس بعد الصين منبع الوباء نفسه، هو أن المصاب بـ(كوفيد-19) ليس فقط يعاني من أعراض صعبة ويعيش أوقات مفزعة عندما يتمكن الفيروس منه، لكنه يظل طوال فترة مرضه منعزلًا عن عائلته وأقرب المقربين له لمنع العدوى وانتشار الفيروس، بل يموت في صمت، في الشريعة الإسلامية يجوز عدم تغسيله، حيث أعلنت دار الإفتاء المصرية، بجواز عدم غسل المتوفى نتيجة إصابته بأي مرض وبائي مُعْدٍ، مثل فيروس كورونا، إذا كان الغُسل قد يُلحق أذى بالناس، ويترتب عليه نقل العدوى.

وقالت دار الإفتاء: «الأصل أن الميت المسلم يُغَسَّل غُسلًا شرعيًّا ويكفَّن ويُصلَّى عليه ويُدفَن، إلا إذا ثبت طبيًّا أن المتوفى بمرض ما يتعذر غسله لكونه مَظِنة حصول العدوى؛ فيلجأ حينئذ إلى التيمم بدلًا من الغُسل؛ فإنْ تَعذَّر هو الآخر، ولم يمكن ارتكابه للعدوى؛ تُرِك وسقطت المطالبة به شرعًا، لكن يبقى للميت بعد ذلك ما أمكن من التكفين والصلاة والدفن».
– أما عن الصلاة عليه، الأزهر يوضح كيفية الصلاة على من مات بفيروس كورونا.

وقد أوضح لجنة الفتاوى الألكترونية بمركز الأزهر العالمي للفتوى الألكترونية في أحدث فتاواه كيفية الصلاة على من مات بفيروس كورونا، مبينة بعض الأحكام وهي:

– مَن خرجَ من المستشفى مُجهَّزًا بكفنه يجوز لأهله أن يُصلُّوا عليه صلاة الجنازة في الخلاء بدلًا عن المسجد.

– يجوز أن يُصلِّيَ عليه اثنان، وهو أقل عدد لصلاة الجماعة.

– يُجوز لمن لم يُصلِّ عليه بسبب الخوف من الاختلاط والمزاحمة وانتشار الوباء أن يُصلِّيَ عليه عند قبره منفردًا.

– وكذلك يجوز أن تُصلَّى عليه صلاة الغائب.

هل يُعدّ الميت بفيروس كورونا شهيدًا؟ قال مركز الأزهر العالمي للرصد والفتوى الإلكترونية، إن من مات بفيروس كورونا فهو شهيد، له أجر شهداء الآخرة، ويسري عليه ما يسري على أموات المسلمين من أحكام الدنيا، من غُسلٍ وتكفين وصلاة جنازة؛ لقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشُّهَداءُ خمسةٌ: المَطعونُ، والمَبطونُ، والغَريقُ، وصاحبُ الهدمِ، والشهيدُ في سبيلِ اللهِ».

وها نحن على أعتاب شهر الخير واليمن والبركات، شهر الرحمة والمغفرة وصلة الأرحام، شهر رمضان، والذي سيمر على الأمة الإسلامية على غير المعتاد.

رمضان شهر اللمة والعزومات، رمضان شهر موائد الرحمن، والمارين في الشوارع تطوعا لحظة آذان المغرب يتهافتون عليك وقت الإفطار لكسب ثواب إفطار صائم، رمضان شهر لم ينام الناس فيه، الشوارع مزدحمة طوال الوقت، الزينة واللمبات الملونة، والفوانيس تزين المحلات قبل الشوارع، الكل فرح حتى الجمادات، الحيوانات، المساجد الممتلئة بالمصلين، الجوامع، حتى غير المسلمين أيضًا الفرحة تملأ قلوبهم بإحسان وكرم المسلمين، وهم أيضًا يبادرون بالعديد من الخدمات في الشهر الفضيل، الجميع في حالة امتنان وصفاء ونقاء، وكيف لا والشياطين متسلسلة.

لكن رمضان2020، سيمر على الأمة الإسلامية هذا العام بشكل مختلف كليًا، ففي ظل الإجراءات الاحترازية التي تتخذها الدول التي تفشى فيها الفيروس، سنمنع من الكثير من الطقوس الدينية المحببة إلى قلوبنا والتي اعتدنا على أدائها طوال حياتنا، ولم نتخيل يومًا ما أن رمضان سيمر علينا بلا صلاة بالمساجد، بلا تراويح وقيام ليل خلف إمام تقشعر له الأبدان من صوته العذب النقي الذي من خلاله تستشعر حلاوة القرآن الكريم.
كيف لبيت الله الحرام، وللكعبة المشرفة أن تجد نفسها بلا مصليين، بلا طائفين، بلا معتمرين، بعد أن علقت المملكة العربية السعودية جميع رحلاتها من وإلى دول العالم منعًا لتفشي كورونا المستجد، وأوقفت رحلات العمرة، وربما الحج لاحقا.
كيف سيمر علينا رمضان بلا عزومات وتجمعات عائلة، كيف ستقضي الأسرة الواحدة يومها الرمضاني داخل البيت.

وهنا أتخيل أن الأب، أو الأخ، أو الأم، مع بناتها سيحلوا محل الإمام، بلا شك ستخلق كل أسرة جوًا رمضانيًا وروحًا لحياة مختلفة تفصلها عن العالم بمشاكله بفيروساته بكوميكساته وسخرية من بعض الأمور، سيخلقون جوًا أسريًا بامتياز في هذا الشهر يسوده الحب الطمأنية الثقة في رب العالمين، يسوده أداء الصلوات الخمس جماعة، التراويح وقيام الليل، مع بعضهم البعض، وياحبذا لو قام الأب بتحضير درسًا دينيًا وقصه على أولاده في منتصف أو استراحة صلاة التراويح كما هو المعتاد في المساجد.

قراءة القرآن، في شهر القرآن، ماذا لو أصبحت بشكل جماعي، على شكل حلقة يتبادل أفراد الأسرة فيها الدور، دور ترتيل آيات من الذكر الحكيم، ولتكن ختمة جماعية لكتاب الله.

ماذا لو خصصنا يوما لكل فرد من أفراد الأسرة يكون هو فيه المسؤل عن تحضير الإفطار والسحور، فلماذا كل الحمل والتعب يقع على عاتق ربة المنزل، أما لها أن تستريح، فليكن جدولًا بأيام محددة تقسم على أفراد الأسرة البالغين، أما عن الأطفال، فها هو دورهم في تنظيم الأواني من وإلى المطبخ والسفرة ووضعها بشكل جذاب، قبل و بعد الانتهاء من وجبتي الإفطار والسحور.

فليكن رمضان مختلف، ولنحاول أن نعطي له نكهة وطابع مميز، فقدر الله نفذ، وابتلاؤه حل على العباد، وها هي دور العبادة أغلقت، والمحلات باختلاف أنشطتها تم تقليص عدد ساعات عملها، وبقى المنزل والأسرة والبيت الواحد هو الملاذ الوحيد للاستمتاع بالحياة، فلنجعله رمضانًا أسريًا من الدرجة الأولى، نتقرب من بعضنا البعض، نتحدث سويًا في كل شيء، نتشارك كل تفاصيل الحياة، المتاعب ومشاق اليوم من طبيخ غسيل تنظيف،.. وغيرها، قبل جلسات الهدوء والفضفضة، نمارس تمارين رياضية سويًا، نفعل كل شيء، والأهم إن أبقى الله لنا عمرًا وتجاوزنا أزمة كورونا، أن نخرج منها متغيرون، مدركون، أن دوام الحال من المحال، وأن أهم شيء بعد الله وعبادته سبحانه وتعالى، هي أسرتك، أمك، أبوك، إخوتك، زوجك أولادك، هم الباقون لك، فلو لم تشعر بالحب معهم لما كانت لحياتك طعم ومذاق ممتع.

تبدلت الأحوال، وأدركنا جميعا وأخيرًا أن السعادة تكمن في الحب وراحة البال والجو العائلي الدافئ المليء بالسكينة والطنأنينة، لا في الأموال الكثيرة.

فزمن الرحلات الخروجات السفريات، مغلق حتى إشعار آخر، جاءنا كورونا لنرى بأم أعيننا عاصمة النور مظلمة خالية من البشر في وضح النهار، لنرى أبواب أشهر أماكن بالعالم تغلق أبوابها أمام الزوار.

لنرى دول مثل إيطاليا أسبانيا، وفرنسا، تحولت إلى أشباح، بعد أن فرضت حظر التجوال والحجر الصحي على أغلب سكانها، حتى أصبح المترو خاليًا من البشر، المطارات أغلقت أبوابها لا استقبال ولا وداع، الشوارع والساحات فارغة تمامًا من الجنس البشري.

كرة القدم، الدوري الإسباني الإنجليزي الإيطالي المصري وجميع الدوريات والبطولات في عالم الساحرة المستديرة عطل أنشطته، في مشهد لم نره من قبل، ملاعب بحجم كامب نو، الأنفيلد، بلا جماهير، ويكأننا في فيلم أجنبي سوداوي حزين عن نهاية العالم.

لكن نحن من سيكتب نهاية العالم هذه، إن قدر لنا الله البقاء، بعد أن أدركنا حقيقة الأمور، وأن المال الذي نسعى طوال حياتنا للحصول عليه، وربما نخسر أقرب المقربين إلينا، ونبتعد عنهم ونغترب، ونشقى، من أجل حياة أكثر ترفًا، ومال أكثر وفره، ها هو جاء الوقت لندرك أن المال ليس له أهمية بالمقارنة بالمشاعر، فالباقي هو الحب المودة الرحمة في التعامل فيما بيننا، وهو من سيعيننا على تخطي هذه الأزمة أزمة (كوفيد-19).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد