لم أتعجب عندما سمعت أحدهم يقول «مفيش رمضان السنة دي!» لأنه بالفعل لن يكون هناك رمضان الذي تعودنا عليه، لأنه ولسنوات طويلة استقبلنا هذا الشهر واستعددنا له كونه موسمًا للأطعمة المخصوصة التي ننتظرها العام تلو العام، بينما انتظره بعض الناس لمتابعة المسلسلات المسماة زورًا رمضانية والفوازير وبرامج المقالب حديثًا، وعلى الجانب الآخر تلقفته طائفة من المسلمين يستعرضون فيه حسن صوتهم في تلاوة القرآن الكريم وقدرتهم على البكاء من خشية الله في مشهد أشبه بالمسلسلات، إلا أنه يحدث في المساجد، وتحولت صلاة التراويح إلى مادة للتباهي فيما بينهم من حيث كمية التلاوة وحسن صوت الامام، وتحول مع الوقت إطعام الطعام وهو أقرب القربات إلى الله إلى موائد الرحمن حيث ينفق فيها المشاهير ببذخ، ولا يصيب الفقراء المحتاجين منها شيء، ووصل الحال بنا أن أصبح طول المائدة مادة للسباق نبتغي به الدخول إلى موسوعة «جينيس»!

اختفت لسنوات المظاهر الحقيقية لرمضان الأصيل من إطعام الطعام بدون تجريح، أو تشهير، وإغناء الفقير دون إذلال، أو تحقير، والقرب من القرآن وتلاوته دون استعراض، وقراءته على أنه كلام الله الذي يحتاج إلى تفكر وتدبر يتلوهما عمل، واختفى تحري العمل الصالح الذي يتضاعف أجره في رمضان من قضاء مصالح العباد ومشاعر الأخوة الإسلامية.

رمضان هذه السنة سيتم غسله من كل الأدران التي علقت به ومن كل الأسماء القبيحة التي نسبت له والأفعال الممجوجة التي اجترحت باسمه.

فمع تعطل إنتاج الكثير من المسلسلات بسبب الاحترازات المتخذه في كثير من بقاع الأرض ومع منع إفناء الأوقات في الأسواق وقضاء الأوقات في البيت مع العائلة ولظروف توقف العمل ووجود سعة من الوقت، بسبب هذا فرمضان هذه السنة يبدو مختلفًا.

الحقيقة أن أوجه الشبه كثيرة بين الحجر المنزلي الحاصل في ديار المسلمين وغيرهم وبين الصيام وشهر رمضان، ولعل أبرزها هو منع النفس من عمل ما تشاء، وفرض القيود على حركتها ورغباتها، وهي تربية للنفس تسمو بها وتتزكى من أدران الحياة التي لحقت بها، وتوقف العجلة الدائرة التي استهلكتنا وأفنت أعمارنا في غفلة منا.

يحتاج الإنسان لوقفه من حين لآخر يراجع فيها نفسه، وإن لم يفعلها طوعًا قُدّر له من النوازل ما يجعله يفعلها جبرًا.

ولعل الحكمة من الصيام في شهر رمضان هي منحنا هذه الفرصة، لنكف عن اتباع الشهوات وعبادة الهوى، وإتاحة المجال للروح لتتنفس وتخرج من وحل المادية الأرضية وطبيعة الطين إلى سعة السماء ونقاء النور الإلهي، والأمر نفسه يفعله بشكل أو بآخر الحجر المنزلي، وكأن هناك إرادة إلهية عليا تهيئ الأرض بمن فيها من مسلمين وغير مسلمين لاستقبال هذا الشهر الكريم.

صحيح سيفتقد الصالحون صلاة الجماعة، ولكن يكفيهم أن ثوابها حاصل ولا شك في ذلك، ولكن إطعام الطعام والإحسان إلى الفقراء وأبواب الخير كلها مفتحة، بل زادت هذه المرة بسبب الفاقة التي أصابت الناس.

ولا يفوتني هنا التذكير بقول أحد الصالحين «والله لو أن تكلفة آداء العمرة النافلة جنيهًا واحدًا لأطعمت بها فقيرًا خير لي عند ربي»، فلا داعي لاجترار الحسرة المفتعلة لإقفال أبواب الخير لأنها فعليًا لم تغلق وما تم غلقه هو فقط فقرة الاستعراض فيها.

رمضان هذه السنة فرصة عظيمة ربما لا تتكرر لأجيال قادمة وقد أفلح من استعد قبله وعمل فيه وأخلص نيته لله عز وجل فإِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رمضان 2020
عرض التعليقات
تحميل المزيد