يشبع عليّة القوم، عادةً، بدري. يشربون الخروب والكركديه، تحلاية، قبل أن يهبط عليهم رامز من الإم بي سي، قناة الفجور إلا من باب الحارة وما والاها. يعلمون تمامًا كيف يهبطون على العزايم، صواني الرز، يعلُوها الدجاج المزين بالمشمش المجفف، والأراسيا، والصنوبر. يطلب من المصوّر صورة “هذا من فضل ربنا يا إخوان”، فيأتيه الصوت: الله يعطيك الصحة يا أبا فلان، فيرد مقهقهًا: لأ، بديش الصحة، بيكفي التعليم والداخلية. يفرط القوم على حالهم من الضحك، وفي زاوية المجلس لا يستطيع أحدهم فتح فمه، متناولًا فخذ دجاجة، ينهشه، كما ينهش في لحم رعيته، غير أن طعم لحم الرعية أشهى، ألذ، وأظلَم!

لن تبدو الأيام جميلة بما يكفي لنتخيل رمضان القادم أجمل، تجمعنا فيه ميناء ومطار وبقية أحلام المشمش التي ضحك بها علينا المفاوضون في القاهرة، الراقصون كالعفاريت كما أحبّ الملثم ذات خطاب أن يصفهم، إذ إن ما يعرضه الأوروبيون على الحركة “الصامدة” -على إيش، ما حدا بعرف- لن يكون من أجل سواد الشعرات التي تبدو جميلة من تحتِ النقاب “الشرعي” الذي يُمكن بيعه في أعلى مزاد يضمن إعادة تدفق الأموال، وأساطيل الحرية، والشنط الدبلوماسية العامرة بالملايين؛ ولن يبدو المستقبل مُشرقًا للحركات التي أغرقت نفسها في أتون الرهانات السياسية القائمة على المال، تُباع وتشترى بالمزاد العلني، ولا كرامة.

تقول ويكيليكس التي لا يعرف عنها أحد، إن الذي تنكّب عن طريق الدعوة لأنه ركب المرسيدس الغواصة، أم 60 ألف دولار، بدلًا من السوبارو القديمة، وعَد بأن يصرف للموظفين سُلفة قبل بداية شهر رمضان. قال الوالي، تكرمًا، إنها 50 دولارًا بالتمام والكمال، أسداها الأتراك لجنود الدعوة الغراء لمدة 4 شهور، كمساعدة عاجلة، واعتبرها الطغاة سُلفة مخصومة من الراتب، وعليها ضريبة دخل!

ولأن العلم “بحر”، كانت التياسة محيط، وكذلك الظلم، والجشع، والكذب. دخلت الـ50 $ عملية تدوير. قالت الحكومة إنها ستستقطع 30 شيكلًا منها، بدل غلاء/ غباء، وبدلات بنزين، مخاطرة، تين مجفف على الرز، وتكافل اجتماعي. تحوّلت الـ50$ إلى 150 شيكلًا. سكت الأتراك، أو لم يعلموا بهذه السرقة، ككل التبرعات الأخرى. سيدخل هذا المبلغ التاريخي موسوعة جينيس من أضيق حواريها كأقل سلفة تاريخية. حتى تاريخ الشهر الماضي، تقاضى موظفي (جمهورية ناورو) راتبًا أعلى من هذا الفُتات الذي يُجمّله ذوو اللحى المستأجرة في النواح، وزارة الإسفاف، بقولهم: مساعدة.

كالعادة، تعرف حماس كيف تستفيد من أي شيكل يتسلل إلى هذه البلد عبر تدويره في مؤسساتها، معتمدين على قاعدة الدفع الرباعي الفقهية “إلهط، وزّع، فِيد، واستفيد”، ولأن عدد موظفي حكومة غزة يُضاهي عدد سكان الصين تقريبًا، قررت وزارة المالية صرف المبلغ عبر البنك الوحيد الذي يتعامل مع موظفي غزة، وهو البنك الذي أنشأته حماس ليكون بنكًا، فتحوّل إلى محل لتبديل العملة، لا أكثر. قال البنك الوطني إن تكلفة صرف الـ150 شيكلًا هي 6 شيكلات، بدل الكهرباء التي يصرفها المُكيّف الذي يبرّد على الموظف الذي يصطف أمام شباكه طابور من باب البنك، وحتى ما بعد محطة بهلول بنصف كيلو متر، وقالت الحكومة: ائتوني بالـ144 شيكلًا أستخلصها لنفسي، وإني عليها لمن الصارفين.

7 رمضان، ينتظر الرعايا ما سيجود به الولاة من فتاتٍ اخترعوا له اسمًا مُنمقًا، جديرًا بالتنظير، ويُمكن استخدامه في خُطب الجمعة، مع استحضار حصار النبي، وجيش العسرة، ومطبخ منال العالم. قالوا “سلفة”، 1000 شيكل، في رحلة الشتاء والصيف، تُشبه الصيام ثم الإفطار على بصلة، حاف، بلا ملح حتى. لم يسأل أحد، طيلة سنة كاملة، من أين يأتي الساهرون على حِمى القضية بهذه الألف المباركة، ولم يسأل موظفٌ: كم بقي لي لدى الحكومة بعد أنصاف وأرباع الرواتب التي لا يراها الذين يتناولون بالدولار، من تحت الطاولة، وأخيرًا من فوقها، بل يرون “الرُزَم”، والتمر المجهول، وشوربة كنور بالكريمة.

أنا لستُ منزعجة جدًا على ما يجري، لا أستغل معاناة الآخرين لتصفية حسابات، كما سيأتي الطغاة الجدد لينوحوا بعد قليل. لم يتغير، فعليًّا، في سلوك وتعامل الـ54 ألفًا الذين وظّفتهم “الدعوة” شيئًا طيلة 8 سنوات، سوى بعض الشعيرات التي نبتت في وجوه القوم، وأقنعة سوداء، وسيارات الشيفورليه والكيا.

كل ما في الأمر أنهم حلبوا الناس، واسترهبوهم، وجاؤوا بحصارٍ عظيم؛ وتحوّل المواطن الغزّي إلى مصدر الدخل الوحيد للحكومة الرشيدة! أما أن تشفط جيبه، لتُعطيهم المنّ والسلوى، رواتب وجيبات ونثريات وامتيازات، فقد مرّت الأشهر عليهم يستلمون رواتبهم قبل وكالة الغوث، وإما أن تستغل حصاره، ومعاناته، في مزيد من التسول الأنيق باسم القضية، وغزة، وأزماتها المفتعلة، الحريص على إبقائها من سيجدون أنفسهم خارج المعادلة لو حُلّت.

هذا عن الذين يعتقدون أنه من حقّهم الحصول على راتب، ويحملون صبغة “موظف”، أما عن أولئك الذين سقطوا من ذاكرة الذين يبنون المساجد بملايين الدولارات، ويُقيمون الأفراح الجماعية بأسماءٍ اختيرت في الغرف المغلقة، على نظام “شفتيني وأنا متزوج”، ويتعازمون فيما بينهم بآخر ما وصلت إليه البوفيهات المفتوحة في أرقى الفنادق، وينفقون، في سبيل الملصقات والبخاخات والأعلام والمسيرات والبيانات والمنشورات، ما تنوء العصبة من السيارات بحمله، ويجعلون من أمير المسجد إلهًا يُعبد، تُصرف له الصلوات، أملًا في كوبونة أو قليل من الذل. أولئك المنسيون لا يذكرهم أحد.

اسألوا الذين نزلوا على أقدامهم، يبحثون عن الذين لا تسترهم الجدران حتى، لا يجدون ما يأكلون، سوى بعض ملح وقليل من الخبز، عن الذين تؤويهم الحاجة، وتجود عليهم الحياة بما أوتيت من نكبات، عن المرضى، المرجومين بحجارة الموت البطيء، ليسوا أبناء وزير الداخلية فتأتيهم مروحية تنقلهم للعلاج من داخل إسرائيل، تلك التي وعد بزوالها بعد 7 سنوات، عن الذين يسرق الفجّار باسمهم، ويفرضون الضريبة باسمهم، ويجْبُون المكوس باسمهم، ويخطبون على المنابر باسمهم، ويوقّعون الشيكات ويُقيمون الندوات والاحتفالات والتكريمات، باسمهم. وهُم لا يرون اسمهم أبدًا، إلا عابرًا بين أسطر المتزلفين على جدار صحيفة حمقاء تهتم بجدول الطبخ أكثر من جدول الكهرباء!

“قالوا: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث” وحين تحوّل الانحراف الطارئ ما بعد منتصف 2007م آخذًا منحنىً علويًّا، سكت الصالحون، وهُم قلّة، على استحياء أو على مضض، وتحول هذا الانحراف بعد 8 سنوات إلى مشروع نظامي متكامل، له من المُدافعين، والشبّيحة، والسفلة، ما يكفيه مؤونة الرد، والاعتقال!

سبحان المُعزّ المذل. الذين كانوا أداة ًللظلمة، وأعوانًا، يصطفون اليومَ على طوابير “الكوبونات”، جزاءً وفاقًا من الله الذي سمّى نفسه عدلًا، وقال للذين كانوا يدرسون في “الأسر” الحديث القدسي عن دعوة المظلوم: وعزتي وجلالي لأنصرنّكِ، ولو بعد حين. ولو بعد سنينٍ ثمانية، أو عقدٍ إلا قليلًا. يخسف الله بالجيش الغازي لجزيرة العرب، وإن فيهم مَن ليس منهم، ويُعاقب الله الساكتين عن الظلم، المشاركين فيه، وإن أنكرته بقلوبهم، والله أعلمُ بالنيّات.

أيتها القضية التي بتّ جدولًا “منيحًا” للكهرباء، ومعبرًا للفِرار من هذه البقعة من قاعِ العالم، وسُلفة منتظمة، وسَفَلة يلبسون ربطات العنق، والجلابيات، و رُتبًا بلا حدود، ومناصب قد أنزل الله بها سلطانًا، وأمراءً، وأعضاء مكتب سياسي.

أيتها القضية التي أشبعتِ بطون الكبار، رزًا ومنديًّا وشاورما وبيتزا بالمشروم واللحمة الحلال، ورويتي ظمأهم بـ”تبوزينا” الحلال التي يأخذون عليها ضريبة، وبالمانجا والجوافة والهوت تشوكليت!

أيتها القضية التي تنقسمين على نفسك، كالأميبيا، فتزدادين صغرًا ويزدادون تضخمًا. أيتها القضية.. ملعون شرفك إذا كان ضايل عندك شرف!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد