ربما يتفاجأ الكثير منا عندما تمر أمام عينيه بعض الحقائق، التي يتم إخفاؤها داخل المطبخ الإعلامي، ولا يطّلع عليها أحد، أو تخرج إلى العلن، إلا بعد أعوام من التنويم المغناطيسي؛ الذي جعلوا الناس فيه يتّخذون وضعية المشاهد الذي لا يسأل، ولا يتدخل، فقط يستمع إلى ما يملونه عليه، وينفذ بدون تفكير .

قد لاحظ البعض التطور الهائل في سيناريوهات الإعلانات المعروضة على شاشات التلفاز، وبالأخص تلك الإعلانات التي تعرض خلال شهر رمضان المبارك، وهذا التطور قد استحدث طرقًا جديدة للنصب على المواطن العربي المسلم، في شهره الكريم، بكل السبل المتاحة، والتحايل، بل وبالخداع، واللعب على اللاوعي أيضًا.

وكما نرى سنويًّا الجزء الأكبر ضمن تلك الإعلانات الرمضانية، يكون مخصصًا دائمًا؛ لأجل جمع التبرعات للمستشفيات، والفقراء، والجمعيات الخيرية.

لكن العجيب أن المعلنين في تلك القنوات، قد استحدثوا طرقًا جديدةً؛ لأجل كسب تعاطف الناس؛ بضخ العشرات من الإعلانات المتتالية، التي تعرضها تلك القنوات مرارًا وتكرارًا؛ لتتلاعب باللاوعي بين كل فاصل إعلاني؛ تارة يأتون بالمطرب المشهور، وهو يغني لأطفال المستشفى، ويدعونا إلى التبرع لهم، وتارة يُظهرون لنا في إعلاناتهم بعض الفقراء، أو المرضى؛ كي يستعطفونا لنبكي من أجلهم، ونعطيهم أيضًا ما في جيوبنا، ويا ليت ما في جيوبنا كله يذهب إليهم!، بل يذهب في النهاية إلى جيوب القائمين على تلك الإعلانات، وإلى إدارة المنظمة أو الجمعية، ثم يتم توزيعها، هنا وهناك على الإعلانات، وأبطالها، وبطلاتها من مشاهير المجتمع.

لكن العجيب هو أن تصبح تلك الإعلانات قصصًا وسيناريوهات مع الوقت، تظهر لنا في الحملة الدعائية الرمضانية الواحدة، خلال إعلان لحظي، لا يتعدى الدقائق، أكثر من عشرة فنانين، يتراقصون ويتلاعبون أمامنا؛ من أجل كسب تعاطفنا، لكي نتبرع للأطفال المساكين، والفقراء المحتاجين.

لكن هل سألت نفسك يا عزيزي، هل هؤلاء الفنانون يفعلون كل ذلك مجانًا؟

بالطبع لا يا صديقي؛ فهل سيخرج لك، ويحرق ظهوره وشخصيته في عقلك، لمدة ثلاثين يومًا في رمضان، يتراقص ويفعل مثل البهلوانات، وكل ذلك مجانًا؛ لأنه ملاك؟!

بالطبع لا، ودائمًا ما يحصل كل منهم من الشركات الدعائية، التي توكلها المستشفيات، ومنظمات المجتمع المدني، والجمعيات، وغيرها على أجور تبدأ بآلاف الدولارات حتى تصل إلى الملايين؛ للظهور الإعلاني في الحملة الإعلانية الواحدة.

العجيب هنا أننا ما زلنا نتحدث عن أجور الفنانين فقط، الذين يَظهرون خلال الإعلان الواحد، على مدار الحملة الإعلانية، أما الطامة الكبرى هي؛ كم يدفع المعلن «المستشفى، أو المنظمة، أو الشركة، أو الجمعية» للقنوات التي تعرض تلك الإعلانات، وتضعها في الباقات المتميزة، وتعرضها مرارًا وتكرارًا، وتحجز مساحات مميزة بين البرامج والمسلسلات المهمة؟ هل تعتقد يا صديقي أن أصحاب القنوات أيضًا ملائكة يتركون الإعلانات الأخرى، بل ويجعلونها خلف إعلانات التبرع؛ لأجل سواد عيون إعلانات التبرع تلك، أم أن أصحاب تلك الإعلانات يحجزون باقات مميزة؛ لعرض إعلاناتهم على تلك القنوات، بهذا الشكل الفج؟

سنويًا تزداد أسعار الحملات الإعلانية على الشاشات؛ بحسب نسبة مشاهدة الجمهور للقناة، وتأتي في المقدمة مثلًا قنوات «mbc»؛ التي يصل سعر الحملة الإعلانية الواحدة، لأي شركة تعلن عن طريقها خلال شهر رمضان، إلى 15 مليونًا لإعلان الـ30 ثانية، وعدد مرات ظهوره خلال شهر رمضان 250 مرة تقريبًا، وتأتي بعدها قنوات «cbc»، والنهار، والحياة، و«ontv»، وغيرها من القنوات، التي لا تختلف عن «mbc» كثيرًا.

العجيب هنا أن ما يؤكد قيام المستشفيات بدفع كل تلك الأموال، للقنوات، والفنانين؛ هو أن هناك بعض الفنانين الذين يظهرون في إعلاناتهم، لا يقبلون الظهور في أي إعلان، إلا بمقابل مادي كبير.

ثانيًا- إن القنوات التي يتم عرض الإعلانات عليها، تضع إعلانات تلك المستشفيات، والشركات، والمنظمات في قائمة أول الإعلانات المعروضة، وتفرد لها مساحات كبيرة؛ وذلك يبرهن تفضيل القنوات لعرض تلك الإعلانات، بدلًا من عرض إعلانات المنتجات مثلًا، وأيضًا هذا يثبت أن التعاقد بين الطرفين ينص على ظهور الإعلانات بشكل مميز، يندرج تحت بند الباقات الخاصة للقنوات؛ وهي التي تأخذ الأفضلية في العرض والترويج.

ثالثًا- يتم استخدام أفضل وأجود الأدوات؛ لتصوير مشاهد وسيناريوهات تلك الإعلانات، وتعتبر جودتها أفضل جودة إعلانية، تخرج علينا سنويًا.

رابعًا- لا أنفي قيام بعض المشاهير بتصوير تلك الإعلانات؛ تبرعًا منهم بشكل مجاني، وهذا لا يخلق خلافًا بيني وبين القارئ، أما ما لا يمكن أن يصدقه بشر؛ أن تقوم تلك القنوات بعرض إعلانات التبرع التي تتعدى عشرة إعلانات لجهات مختلفة بدون أجر، هذا مستحيل بالطبع .

والسؤال هنا؛ مَنْ المستفيد؟ تقوم مستشفى ما بالتعاقد مع كل القنوات الشهيرة، وكل قناة منهم لها باقتها الإعلانية التي تصل سعرها لـ15 مليون.

إذًا لنضرب مثلًا (15 مليونًا× 10 قنوات مثلًا= 150 مليون)، غير أجور الفنانين، والمخرج، والمصورين والاستوديوهات، وكل ذلك.

إذًا ماذا ستستفيد تلك المستشفيات، والمنظمات الساعية وراء جمع الزكاة من دفع 150 مليون، أو أكثر في رمضان فقط؟

إن كان الهدف ساميًا، فلنقل إنها تجمع أكثر بكثير من ذلك الرقم، خلال حملتها للزكاة، أو للعلاج، فهل يستحق جمع زكاة، أو إطعام فقير، أو شفاء مريض إلى إلقاء 150 مليون جنيه، في هذه التفاهات الإعلانية؟

ولو كان الهدف غير سامٍ، فلنقل إن هناك جهة، أو منظمة ما، تريد من وراء كل تلك الإعلانات، ومضخاتها؛ أن تجعل كل ما في جيوب الأغنياء، ومن يريد أن يدفع الزكاة منا، أن يدفعها في أماكن، لا تعود بالنفع على المجتمعات، ولا على الفقراء، بل تذهب إلى جيوب من يعمل خلف تلك المستشفيات، والمنظمات، وتذهب للفنانين، وللقنوات المعلنة، وليس لمن يستحق الدعم والصدقة.

إذًا هناك من يريد أن يجعل الفقير فقيرًا دائمًا، والغني يزداد غنى دائمًا، والمريض مريضًا دائمًا، إلا عِلية القوم، وأصحاب السلطة والنفوذ.

مثلما نرى شركات أدوية؛ تصنع الدواء، وتصنع أمامه الفيروس؛ لكي تستمر عجلة ضخ الدواء المصنوع إلى السوق المستهدف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد