أحيانًا تتملك المرء منا بعض العادات المذمومة عُرفًا، أو المستنكرة شرعًا، أو المرفوضة صحيًا، ويدوم إدمانه لهذه العادات بدافع الإلف والاعتياد أكثر من دافع الاحتياج أو الرغبة، إذ إن للعادات سطوتها التي تستبد بصاحبها وتديره في فلكها دون إفلات منتهزةً غفلته عن نفسه وعن إصلاحها، فكل واحد من الناس يريد التغيير للأفضل، ولكن قلّ من تتحول إرادته هذه إلى عزيمة قوية تمكّنه من كسر عاداته السيئة والاستبدال بها أحسن منها.

وفي عالم مليء بمُنظري كيفية إشباع البطون وتأجيج الشهوات واستبداد رغبات الجسد واللهث خلف اللذة اللحظية، يأتي شهر رمضان كبرنامج تطبيقي لسبر أغوار العزيمة واسترداد قيمة احتياجات الروح والقدرة الترويضية للنفس وشهواتها.
شهر، 30 يومًا.. دورة تأهيلية تطبيقية لكيفية الحياة بما يحقق فوز الآخرة وسعادة الدنيا والتوازن بينهما، لكيفية تغيير نمط حياتك الذي تقع أسيرًا له وتظن ألا فكاك لك منه ما حييت.

ماذا عليك لو استجمعت عاداتك السيئة كلها وخططت للانتهاء من بعضها والتقليل من البعض الآخر في رمضان؟ انظر في عاداتك المدمرة لصحتك مثل التدخين وبعض أنماط الأكل وقررْ أن تنهيها بلا عودة مع رمضان، وانظر في عاداتك المدمرة لإيمانك من إهمال الصلاة وكثرة المعاصي واعزم أن تنهيها بلا رجعة مع رمضان، وانظر إلى علاقاتك المتقطعة وابدأ بوصلها في رمضان.

يأتي رمضان ليخبرك أنك أقوى مما تظن، وأنك أقدر مما تتوهم.. وأن بمقدورك أن تمتنع عن الطعام والشراب لمدة 16 ساعة يوميًا، هذا في الضرورات كالطعام والشراب فكيف بغيرهما؟

في رمضان بإمكانك استفتاح كل مؤجلاتك، رمضان الذي يخبرك بقدراتك التي تغفل عنها يستحثك للتحرك بخطوات جدية تجاه مشاريعك التي توقفت في مرحلة التفكير ولم تنزل بعد إلى ميدان العمل، فختمة المصحف التي بدأت منذ العام الماضي آن إنهاؤها في رمضان، والكتب التي أعجبت بها ولم تقرأها حانت قراءتها، وصلة الأرحام والاطمئنان على الصحبة القديمة وكل هذا بإمكانك فعله الآن في ظلال رمضان وعزيمته المتقدة.

ما يضيرك لو أنك استجمعت كل مستهدفاتك من رمضان: مهاراتك التي تود استزادتها وسلوكياتك التي ترجو تهذيبها وتحسينها وثقافتك التي تحب أن تنميها وعباداتك التي ترغب أن تداوم عليها وتؤديها بصورة أفضل وأكثر خشوعًا، وبيّت العزم أن تسير بالموازاة للأفضل في هذه المسارات حتى تخرج من رمضان بغير النفس التي دخلته بها.

مما يعينك على التغير للأفضل في رمضان عموم أجواء الخير في المجتمع، فالناس كلهم في قلوبهم قدر من تعظيم شعائر الله وتقل مجاهرتهم بالمعاصي ويزيد إقبالهم على الله وتتغير عاداتهم للأحسن، وفي هذا دعوة لك لمواكبة التغير المجتمعي بتغييرك لنفسك والارتقاء بها، فاجعل من هذا محفزًا لك ودع عنك إرجاف أصحاب الهمم الهابطة الذين لا يزيدهم رمضان إلا خمولًا ولا تنفعهم عزائمه بشيء كأنهم رضوا بنمطية حياتهم وقنعوا بها عن التغيير للأفضل. .

التغير للأفضل ليس من الرفاهيات التي أناشدك الانشغال بها، ولكنه – والله – من الضرورات التي تحتاج إليها لتسعد في حياتك وتقر عينك في آخرتك، أولًا لأن نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وإن لم تجد لها مسارات التحسن والارتقاء ستجد هي مسارات التدني، وثانيًا لأن العمر يمر بك، واليوم الذي يفوتك لا يعود لك، وكلما كان إصلاحك لحالك مبكرًا كلما كان أيسر وأسهل.

الأمر كله بيدك أنت، وموكول إلى عزمك أنت، وموقوف على همتك أنت.. فليكن قرارك التغيير للأفضل والانتفاع برمضان وأجوائه وعزائمه حتى ينزل عليك كما الغيث يهطل على الأرض الصالحة فينبت منها أطيب الثمار وأحلى الأزهار، لا كما يهطل على الأرض البور لا يزيدها إلا وحلًا ولا ينفعها بشيء.

أسألُ الله أن يعيد رمضان علينا بالخير والبركات، وأن يصلح أحوالنا جميعًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد