الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

أيام قليلة ويحل علينا شهر رمضان الفضيل، والذي نسأل المولى عز وجل لنا فيه المغفرة لما تقدم من ذنوبنا وما تأخر، وهذا المواسم من أنسب الفرص لنجري فيها جردًا لما كان وما كُتب على صفحة أي واحد منا، فعلى صعيد الفرد ينظر كل واحد لما اقترفت يمينه ليسع للتكفير عما سبق ويتّعظ ويحترز فيما هو آت، ولكن ماذا عن الحصيلة الجمعية أو محصلة ما وصلت إليه الأمة من أحوال؟ والحقيقة أن التشتت الحاصل لا يسمح بوجود آلية للقيام بهذا الأمر من الأساس، فنحن حتى الآن لا توجد لدينا جهة مرجعية أو معيارية نحتكم إليها، وأستطيع ان أقول إن عدم وجود هذه الجهة أمر أُريد له أن يكون، والحجة الظاهرة في الحديث عن هذا الأمر تكون أن هذا من باب الحجر على الآخرين، وطبعًا هذا القول نفسه هو نوع من الحجر الذي يزعم هؤلاء صده كما أن التمايز الثقافي والمعرفي هو واقع لا مفر ولا فكاك منه مما يستدعي وجود جهة مرجعية للاحتكام إليها.

على أي حال سأدلو بدلوي والأجر على الله وأقول: لو نظرنا إلى مفردة الأمة لما كدنا أن نجد ملامح أو سعة متفق عليها بين الجميع فعن ماذا سنتكلم بالضبط لو ذُكرت أمامنا كلمة (الأمة) هل نتكلم عن أمة هويتها الإسلام أم هويتها أنها عربية، وهل تحديد الدول العربية له معيار معرفي أم هي مجرد إرادة جامعة الدول العربية التي هي نفسها ليست محل إجماع، ولو كان هناك معيار معرفي فما هو ذلك المعيار خاصةً أننا نرى مشروع ضم دولة جنوب السودان للجامعة، وهي الدولة التي ظلت نخبتها منذ الأزل كارهة للعروبة والجنس العربي.

هذه ليست مجرد أسئلة، بل هي أسئلة وجودية لا مفر من إجابتها حتى تكون هناك رؤية سليمة ننظر من خلالها لكل القضايا المطروحة سواءً كانت قضية فلسطين أو قضية سوريا أو قضية الخليج أو قضية إيران أو اليمن أو الأحواز أو إقليم تركستان أو الروهنجيا، قامت الثورات في عدة دول عربية مثل تونس ومصر وليبيا وغيرهم والتقارب الزمني بين هذه الثورات دليل واضح على أن أصل هذه الثورات واحد وهو التحرر من قيود الديكتاتورية، ولكن سرعان ما انقلبت الأمور وعادت كما كانت أو أسوأ، ليس لأصل الثورات فطلب الحرية مطلب غريزي ولكن لم تكن هناك استراتيجية لما بعد الثورة ولم يكن هناك تخطيط، كما لم يكن هناك (وهذا هو الأهم) توافق فكري معرفي بين الأطياف تتحدد من خلاله هوية الدولة.

 ففي مصر مثلًا نشبت حالة صراع بين الإسلاميين وبين تيارات الأيديولوجيات الحديثة (إن صح التعبير) كالعلمانية والليبرالية والاشتراكية عن دستور الدولة ومسألة تحكيم الشريعة وغير ذلك، هذا الصراع كان موجودًا بصورة أقل في مسألة سوريا ففي الوقت الذي كان المقاتلون على الجبهة يشتبكون مع قوات النظام، كان هناك من يتكلم عن لحى المقاتلين من الفصائل الجهادية ويستنكر شعارات (الله أكبر) ويعتبرها أسلمة الثورة وغير ذلك، كما أن هناك خطابًا مسجلًا للسفير الإماراتي في أمريكا يوسف العتيبة يقول إنه يضع في الاعتبار أن يكون الحكم في سوريا حكمًا علمانيًا وطبعًا هذا التصريح يعكس لنا تصور عن عدد المؤثرين الإقليميين في سوريا.

قضية فلسطين والتي هي القضية المتصدرة عند الكثيرين لارتباطها المباشر بما نشأ عليه كل الناس تقريبًا وتربوا من كراهية لليهود وتخطيطهم الأسود لمقدسات المسلمين وعلى رأسها المسجد الأقصى، هذه الصدارة ظلت رقمًا صعبًا على اليهود أنفسهم وعلى الذين يحاولون الترسيخ للتطبيع والتقليل من شأن القضية، وقد كان نتنياهو أكثر وعيًا وإدراكًا لصعوبة هذا الرقم بقوله: (أكبر عقبة أمام توسيع دائرة السلام ليست زعماء الدول التي تحيط بنا بل هي الرأي العام في الشارع العربي) ولو أن ذلك لم يمنع ترفعه عن ذكر السبب الحقيقي لهذه «العقبة» عندما قال إن الشارع العربي (تعرض على مدار سنوات طويلة لدعاية عرضت إسرائيل بشكل خاطئ ومنحاز).

هو في النهاية أفضل حالًا من بعض أشباه المثقفين الذين يتكلمون عن وجوب التطبيع مع إسرائيل، لأن الكيان الإسرائيلي أصبح واقعًا يجب التعامل معه بحسب ما يقولون رامين بعرض الحائط كل الجرائم التي ارتكبها الصهاينة حتى يصلوا لهذه المرحلة من هذا «الواقع»، أما المقاومة الفلسطينية فهي ليست سوى مجموعة من الإرهابيين تقودهم الكراهية و«معاداة السامية» وهي نفس المقاومة التي كانت محل توقير واحترام من الجميع منذ بداية الاحتلال إلى أن ظهرت هذه الأشكال في المشهد.

ولكن القضية الفلسطينية كان لها نصيب من حالة النزاع الفكري والأيديولوجي، والذي تجسد في الصراع الأزلي بين أتباع حماس وأتباع حركة فتح الأمر الذي انعكس بشكل أو بآخر في مسار القضية وذات الأمر للأسف في حالة ليبيا وحالة اليمن.

حالة الصراع هذه وصلت إلى ساحات التواصل الاجتماعي وربما وصلت إلى ساحات الحوار المباشر بين المراقبين أو المتابعين، فأصبح سهلًا جدًا أن تخوّن أحدًا ما أو تتهمه بالعمالة لمجرد أنه قال رأي بالرغم من أن رأيه هذا موجّه لنخب بعينها في القيادات والسلطات، والعقل والمنطق السليم يفرض المفاصلة بين الشعب وبين السلطة، المشكلة أن الاحتداد في المناقشات أو اصطدام الآراء نما معه الحرص على أن يكون كل طرف محقًا فيما يقول وربما يصل الأمر إلى درجة أن يتمنى أن تقدم دولة ما على القيام بعمل عسكري ضد دولة أخرى أو أن تحل كارثة ما بمكان ما حتى يثبت أنه كان محقًا، وأنه شخص له رؤية ثاقبة وتحليل ممتاز أو أن يأتي أحد ما بعد 10 سنوات أو بضعة عقود من الزمان ليقول أن فلانًا قد تكلم عن هذا الأمر وكأنه بيننا.

سيحل علينا الشهر الفضيل مثل كل عام وسيجدنا بتقدير عام أسوأ من العام الذي سبقه، فقضايانا تزداد تعقيدًا، والدم المسلم يزداد رخصًا ويضيق الخناق أكثر وأكثر على الرأي والحكمة والعقلانية ويغيب الخطاب الرصين ويكثر الحمقى وضيقو الأفق، ويكون وصولهم للناس أسرع وأضمن ويتم الترويج لهم أكثر وتتسع دائرة «الإرهاب» أكثر، ويزداد عدد الذين لم يتخيلهم أحد أنهم سيكونون يومًا ما تحت هذا الوصف، ونحن كمتابعين لما يحدث تزداد حالة الاستقطاب أكثر وتتولد بيننا مسميات وانتماءات يمكن لأي منا أن يتنقل بينها في فترات وجيزة، فيمكن أن يكون في يوم إخوانيًا، وفي يوم آخر سلفيًا وفي يوم عميلًا للإمارات والسعودية، وفي يوم عميلًا لقطر وتركيا، والله أعلم بما يمكن أن يكون غدًا.

قلت من قبل أنه أُريد لنا أن نكون بلا مرجعية أو معيار نتفق كلنا عليه، لكي ندور حول دائرة مغلقة دون أن يصل أحد إلى شيء، وتستمر الأزمة حتى مع توافر أسباب الوقوف في حلف واحد، فعندما قال دونالد ترامب الرئيس الأمريكي في خطاب له أن على الدول الخليجية أن تدفع له لكي تستمر حمايته لهم، استلم عادل الجبير وزير خارجية السعودية طرف الخطاب ووجهه نحو قطر وقال إن على قطر أن تدفع مقابل الحماية الأمريكية، وكان رد فعل الإعلام القطري على هذا بأن ذكروه بتغريدات ترامب وتصريحاته المهينة للسعودية إبان حملته الانتخابية وانتقل هذا الصدام إلى ساحات التواصل الاجتماعي، كل هذا بدلًا من أن يكون هناك استنكار موحد من جميع أطراف الأزمة الخليجية وسائر الأطراف لما قاله ترامب في حق الخليجيين وفي حق دين الإسلام والمسلمين من قبله.

سيأتي رمضان وسيجد أسباب الفرقة أكثر وتزداد، وأسباب الألفة والمحبة قليلة وتنقص، لا أوجه لومًا لمن يخوضون ساحات التواصل الاجتماعي لطرح آرائهم ووجهات نظرهم، فمهما كان يجب أن يقول المرء كلمته طالما يراها حقًا لعلها تجد آذانًا صاغية أو عينًا فاحصة تلتقطها وتستفيد منها، ولكن لنجعل من موسم كهذا فرصة للغذاء الروحي الذي يطيّب النفس ويزكيها من تلك الأمراض المعدية التي تصيبنا أثناء خوض المعتركات الكلامية، عسى أن تكون الكلمة القادمة أكثر حكمة وأغنى بالفائدة المعرفية من ذي قبل وأنفع للمتلقي مخالفًا كان أم موافقًا.

لعل موسم كهذا يكون فرصة للوصول إلى حالة من الصفاء الذهني الذي يعيننا أكثر على فهم أعمق لواقعنا ونميز فيه ما يجب وما لا يجب، وما هو جائز وما هو غير جائز، وما هو بعذر وما هو بغير عذر لنجر التقييم دون أن يكون للنفس أي حظ في ذلك، أو ليكون لها القدر الأدنى الذي لا يؤثر في صحة وواقعية التقييم، وسيكون الموسم خير فرصة للتذكير بأن الله تعالى يملك أن ينزل فرجه على المستضعفين والمظلومين، الذين ستظل دعوتهم ليس بينها وبين الله حجاب وليس هناك أسوأ من أحد يتسلط على الناس ويستبيح دماءهم وأعراضهم ومقدراتهم ويكون غافلًا عن هذا المحظور لأنه مستغرق في طول الأمد الذي هو إمهال من الله تعالى وليس إهمالا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رأي, رؤية, رمضان, فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد