الإمام المجدد أبو بلال عبد الله الحامد فك الله أسره ينطلق من فكرة تصحيح التصور المحرف فيؤكد أن الإحسان ينبغي أن ينطلق من ثقافة المن والشحاذة إلى ثقافة الإحسان والكرامة:

يرى الإمام يوسف القرضاوي أنه ليس الهدف من الزكاة في الإسلام إعطاء الفقير درهمًا أو درهمين، إنما الهدف تحقيق مستوى لائق للإنسان، بوصفه إنسانًا مكرمًا، مستوى لائق بوصفه مسلمًا، ينتسب إلى دين يؤكد العدل والإحسان.[1]

الخلل في التصور والممارسة

يذهب أبو بلال فك الله أسره إلى أن الكثير من دافعي الصدقة والزكاة، يقطرونها في أفواه الفقراء تقطيرًا، وكأنها ناقوط القربة أو أنابيب التغذية في غرف الإنعاش، فلا تكاد تسد رمقًا، ولا ترفع عاطلًا من حفرة العطالة، ولا تشفي مريضًا يحتاج إلى ما يشتري به الدواء، ولا تمكّن طالبًا فقيرًا من الاستمرار في علم ضروري.

بل إن طريقة إخراج الزكوات والصدقات، أحيانًا تنمي روح (الشحاذة) في الفقير، إذ إن بعض الناس يبخل سائر العام، ثم يتدفق في رمضان دون حساب، فتتحول فئة من الناس إلى أيد مبسوطة، وعيون ممدودة، وأفواه مفتوحة. تعتاد الكسل وكراهية العمل، واستمرار الاستجداء، وتتقن (ثقافة الشحاذة) وما لها من آليات، وادعاء آفات وعاهات.

ولا بأس عندما يعطي المتصدق الذين لم يتأكد من صدقهم نزرًا، أما إذا أكثر، فإنه يفهم أحاديث رد السائل على غير وجهها، ويسهم في صناعة روح العطالة (أي الكسب الطفيلي)، في المحتاجين وغير المحتاجين، وصناعة روح السادية في المعطين.

احتفال جنائزي

ومن مظاهر ثقافة المن والشحاذة أن بعض المعطين من الأثرياء يرتاح لاصطفاف الناس حول مكتبه أو داره في رمضان، حين يتوافدون أفرادًا وجماعات، يسلّمون على (العم) ويقبّلون رأسه، وقد طأطؤوا هاماتهم، وعلتهم الذلة والمسكنة، وكأنهم في احتفال جنائزي، وكأن هذا العم يعطي من ماله، بينما هو يعطيهم حقًا من حقوقهم لا تجوز المنة به ولا الأذى، فهذا المال ليس له (في معايير الشريعة الإسلامية)، بل هو مال لله، فالله مالكه الحقيقي قد أمر ببذله للمستحقين، فقال: )وأنفقوا من مال الله الذي آتاكم(، فكأن الإنسان وكيل على هذا المال مستخلف، كما قال الله تعالى )وأنفقوا ممَّا جعلكم مستخلفين فيه(. وحدّد الله أيضًا مجال صرفه، ليربي الناس على التكافل والتراحم، دون فوقية ولا أنانية.

أصناف لا يجوز الزكاة والصدقة عليهم

  • الشحاذون المتبطلون المتسولون، الذين احترفوا سؤال الناس، ليست هي فئة المساكين التي يظن كثير من الناس أنها تستحق شيئًا من مال الله، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم «ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرؤوا إن شئتم: )ولا يسألون الناس إلحافًا( (البقرة: 273)».
  • أن الزكاة لا تجوز لمن يتفرغ للعبادة (الرهبانية)، لأن مصلحة عبادته قاصرة عليه.[2]

فالمتفرغ للعبادة المحضة لا يجوز أن يعطى بأي وجه من الوجوه، وهذا ما وجّه به عمر بن الخطاب أناسًا جلسوا يتعبدون في المسجد بعد صلاة الجمعة، فسألهم كيف ترزقون؟

فقالوا: إنهم يعتمدون على صدقات أهليهم، فقال لهم: إن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، ألم تسمعوا قول الله تعالى:(فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله).

ومن ذلك يتضح -كما يقول القرضاوي – خطأ من ظنوا الزكاة صدقة تعطى لكل سائل، وتوزّع على كل مستجد.[3]

إن كثيرًا من الناس يتصورون الزكاة على أنها صدقة للمتسولين، ومعونة للمتبطلين القاعدين، ولا بد من تصحيح المفاهيم والقيم، من أجل بناء أنظمة اقتصادية واجتماعية، تقوم على العمل والإنتاج.

في حالات غير قليلة؛ يسهم سوء توزيع الصدقات والتبرعات في إنتاج فئات من الشخصيات المشوّهة، التي تجد الاستجداء أهون وأضمن، فترسخ فيها الطفيلية، كالنباتات التي تتسلق على الحيطان، تتعود على ثقافة الاستجداء ومفرداتها من الخنوع والنفاق، والعطالة الظاهرة والمقنعة، فيفقد الشحاذ معنى الإنسانية، ولذلك لا ينبغي إعطاء السائل دون تقدير أثر ذلك على سلوكه، لكي لا تحطم فيه قيم المروءة والكرامة، كما قال سعد البواردي:

كل من أعطاه قرشًا           حطم الإنسان فيه

ب- مفهومنا للإحسان مفهوم متخلف

إن لدينا تخلفًا ثقافيًا واجتماعيًا في مفهوم الإحسان والمعروف، فهناك بشر غير قليل يفهم الإحسان على أنه تكرّم وتفضّل، بل ربما خطر في بالنا أن المعطي صاحب يد بيضاء عليا، وأن الآخذ صاحب يد سوداء دنيا، وربما برّرنا هذا الشعور بالحديث الشريف «اليد العليا خير من اليد السفلى».

وهذا الحديث ليس تقييمًا دينيًا للمعطِي بأنه متفضل، بل هو حث للسائلين على مفارقة الحالة الدنيا، وهي حالة المستهلكين، لكي يرتفعوا إلى مستوى المعطين المنتجين، ولكنه ليس حكمًا عليهم بالدونية إذا كانوا عاجزين عن العمل أو كانوا بحاجة إلى رأس مال؛ يبتدئون به حياتهم المهنية، أو كانوا محتسبين متفرغين لعمل نظري أو تطبيقي تحتاج إليه الأمة.

وفهم الإحسان على أنه تكرّم وتفضّل ومعروف، إفراز من ثقافة المجتمع المقموع والوحشي، لأن الناس عندما يفتقدون الحرية؛ تتضاءل فيهم صفات الشهامة، ويتكاثر الأنانية والجشع، والأثرة والروح الفردية. حينها يصبح الإحسان غلًا في عنق المستعطي، يستثمره المعطي المنتفخ بالكبرياء والرياء، ليبني به سمعة أو جاهًا، أو ليصبح البر قلائد منةٍ واستعباد. هذا المفهوم الشائع مفردة من مفردات ثقافة التخلف، التي بلورها الشاعر بقوله:

أحسن إلى الناس (تستعبد) قلوبهم       فطالما (استعبد) الإنسان إحسان

أي إحسان هذا وهو يفضي إلى الاستعباد؟

إن صاحب الإحسان الحقيقي هو الله، والإنسان إذا تصدّق أو زكّى، إنما يزكي نفسه ويتصدق عليها، فالإحسان إذن هو القيام «بالواجب الطبيعي للإنسان وكما أحسن الله على الإنسان بنعمه، عليه أن يحسن بهذه النعم إلى الخلق».[4]

ومن أجل ذلك فإن الإحسان لم يصبح منة واستعبادًا إلا عندما فقدت الثقافة الإسلامية صفاءها، في كهوف القمع السياسي فشا اختلال القيم الدينية، فانطمرت الحقوق الشرعية الطبيعية، حتى صار بذل المعروف صنيعة تصطنع في أعناق الناس، ويطالبون بثمنها المعنوي أو المادي طوال الدهر، وحتى صار أداء الواجب تفضلًا من مؤديه، يستوجب من الآخرين أن يشكروه عليه، وصار الشكر دَيْنًا في عنق من يعطَى حقه، وحتى صار أداء الأمانة منة، تستوجب التملق والشحاذة والمديح.

مع أن القضية في ميزان الدين أخذ حق ودفع واجب، فليست مجال تفضل أو تكرم، وما دام المال الذي بين أيدينا لمالك غني، فعلينا أن نطيعه في ما أمر، وليس لنا إلا فضل التذرع بالطاعة، فهو الذي أمرنا فقال: )وأنفقوا من مال الله الذي آتاكم(، وإنما أعطانا ليختبرنا، فليس لنا في المال إلا الاستخلاف، ولذلك قال: )جعلكم مستخلفين فيه( ليختبر حسن تصرفكم.

وهذا معنى قوله تعالى: )وأحسن كما أحسن الله إليك(، فإذا قضى الإنسان دينه، فعلام يعدّ نفسه متفضّلًا، والإنسان إذا أقرض لا يقرض أخاه، وإنما يقرض الله، فقد وصف الله عباده الطيبين بأنهم )أقرضوا الله قرضًا حسنًا(.

وإذا أدى المعطي ما يجب عليه، فليس إذن بأجدر بالشكر من الآخذ، فإذا كان المعطي يريد بالإعطاء أداء الحقوق، وإذا كان الآخذ يريد بالأخذ القيام بالواجبات، فما فضل المعطي على الآخذ؟

ج- المفهوم الإسلامي للإحسان مفهوم إنساني

ولذلك فإن المعنى الإسلامي للإحسان معنى (إنساني) أي أن الآخذ ليس أقل إحسانًا من المعطي، لأن الفقير أو المحتاج المستقرض والمستعين والمستدين، أتاح لإخوانه الفرصة الذهبية لكي ينقّوا أنفسهم من أدران الحرص والشح، والأنانية والأثرة، ولذلك قال الله تعالى (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم).

وكما قال القرضاوي وفّقنا الله وإياه «فالزكاة حق للفقراء في أموال الأغنياء، وهو حق قرره مالك المال الحقيقي وهو الله، فليس فيها من معاني التفضل من الغني على الفقير… إذ لا منّة لأمين الصندوق إذا أمره صاحب المال بصرف جزء من ماله على عياله»، فالزكاة ضريبة تؤخذ، وليست تبرعًا يمنح، هذا الحق لم يوكل لضمائر الأفراد وحدها، وإنما حمّلت الدولة المسلمة مسؤولية جبايته بالعدل وتوزيعه بالحق.[5] ولذلك فإن مالك المال الحقيقي حدّد مصاريف الزكاة، لكي لا تكون خاضعة للأهواء والآراء الشخصية.

الزكاة في الإسلام أول تشريع منظم للضمان الاجتماعي، الذي لا يعتمد على الصدقات الطوعية المتقطعة، وليست من باب الإحسان والتكرم، بل هي ضريبة إلزامية تؤخذ من الفرد الذي منعها قهرًا، وتقاتل الجماعة التي تمنعها، وهي ثابتة المقادير، تقوم عليها الدولة المسلمة جباية وصرفًا، وتأخذها من الأغنياء، وتردّها إلى الفقراء. فهي حق معلوم كل عام، وقد سبق الإسلام في ذلك الدول الحديثة التي لم تشرع الضمان الاجتماعي إلا في القرن العشرين منذ سنة 1941م.[6]

في المفهوم الإسلامي للإحسان تتساوى يد المعطي ويد الآخذ، فكلاهما يد عليا، فيد الآخذ عليا إذا كان مستحقًا، ولا سيما إذا كان منتجًا، كأن يكون محتسبًا في عمل حقوقي، كالدفاع عن المظاليم والمساجين، أو دارسًا في تخصص نادر أو متفرغًا لبحث ذي شأن أو عاملًا يشتري آلة تكفيه مؤونته، أو أم أيتام تسهر على تعليمهم وتربيتهم، أو إنسانًا أصابته عاهة ففقد قدرته على العمل، أو مبدعًا في مجال نافع للأمة، فأيدي الجميع عليا، ولا فرق بينهم في الأجر إذا أحسنوا النية، إلا من حيث مدى الجهد.

لا شك في فضل الغني الشاكر على الفقير الصابر، لأن فضل الغني الشاكر يتعدى إلى غيره، ولكن فضل الفقير الصابر لا يتعدى إلى غيره، هذا الفضل على الإطلاق في المجال العام إذا كان الصابر عاجزًا ضعيفًا، ولكنه ليس على الإطلاق إذا كان الفقير الصابر يقوم بدور علمي أو عملي فعال. فلا بد من النظر إلى دور كل منهما في البناء والإنتاج، أما في مجال الأجر عند الله فالحساب يتم بميزان التعادل، مع المقارنة بين الطاقة الموهوبة والمكسوبة، والعمل المنجز، فالفضل لمن يحسن استثمار طاقته في نفع أمته، ولمن يحسن اكتشاف قدراته، لأن الناس يتخادمون، كما قال أبو العلاء:

الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

ومَن أصدق مِن الله قيلًا (وجعلنا بعضكم لبعض سخريًا).
_________________________________________________________________________________________

القرضاوي: الزكاة: 575.  [1]

انظر الروضة للنووي: 2/309.  [2]

القرضاوي: الزكاة: 898.  [3]

.(طبارة: روح الدين: 202)  [4]

القرضاوي الزكاة 86.  [5]

 (الزكاة: 880 – 883).  [6]

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!