تجلّى رمضان الحلو الجميل العذب، الشهر الفضيل الذى يقوم فيه الناس في تأملات الأسحار وسكنات الليل، حتى يطيب الأفق ويرِقّ الناسُ وتُزهر النجوم وتصفو القلوب ويرقى الكون، ويتجلى الله جلّ جلاله على الكون وعلى الوجود، فيقول: «ألا من مستغفرٍ فأغفر له؟ الا من سائلٍ فأعطيه»، فنسأل نحن معشر السائلين، ونستغفر نحن معشر المستغفرين، فتتصل بعد تجليه تعالى عليها قلوبنا، فنلتَذُّ بلذّةٍ لا تعادل لذات الوجود قاطبةً مثقال ذرة منها، ونسمع صوت المؤذن الرخيم على الإذاعة يمشي في جنبات الفضاء وكأن الفضاء يمشي معه، فيمشي معهما الشفاء في الأجسام والرّقّة إلى القلوب. فينادي في أذانه: «الصلاة خيرٌ من النوم»، ويجري التسبيح على كل لسان فتعمّ الرحمات الإلهية كل مكان، وتمتلئ المساجد بالمصلين استحضارًا لروح الإيمان القويم في قلوبهم.

في هذا الشهر، تُسلَب من الأرواحِ ضغائنُها وأغلالُها وشهواتُها ومطامعها، فعندها تدخل الروح نقية كورقة الورد النديّة إلى المسجدِ ساميةً إلى البر مع كل البشر، فكأن أرواحَهم تنبَتُّ عن عالم الأرض لتتصل بعالم السماء، تتفرق بهم البلدان على أرضهم، فيتصلون بالإيمان على قطع الغمام، توحدهم قبلة الصوم والبر والإيمان، فيا ليت شعري، هل نرى المسلمين أمةً واحدةً كما قلوبهم في هذا الشهر الكريم.

في رمضان تتجلى أجمل الصفات في هذا الوجود، وتطفو عليه كطيف النسيمِ حُرّةً، تلمع في شفق السماء، فنحن فيه في أجمل محطات السنة؛ حيث يشع النور الإلهى، وتصفو الحياة، ويسكن الكون، فيجتمع للصائم فيه صحة الروح، وموت ضغائن البدن، وعظمة النفس، ورضا الله تعالى، فإذا أذن أذانُ المغرب يطيرُ الناسُ إلى دورهم كالعصافير المرضيَّة، كلٌّ يرضى بما قُسِمَ له، فإذا فرغوا من طعامهم اصطفوا كقلوبهم الملتحمة، التي ترجو أبدانهم أن يبقوا طوال عمرهم على مودتهم وتراحمهم فيما بينهم. الجباهُ والأيادي والأقدام كل على الأرض، الغني والفقير والصعلوك والأمير.

هذا هو رمضان النفيس، الذي يجب أن يصوم الناس فيه، لا عن الطعام والشراب فقط، لكن عن اللغو والهتك والسب وكل ما هو بذيء لا يرضى به القلب السليم. أمّا من يكف لسانه عن الشراب، ويشرب الكذب، ويكف عن الأكل، ويأكل لحم أخيه، فهذا صيامه ظاهر، لم ينبثق ولم يسر في روحه مسراه، وعيب أن نتزيا بزي الصالحين وقلوبنا قلوب ممقوتين.

الدين المعاملة، وخاصة في رمضان، يجب أن نكون أوسع صدرًا، وأندى لسانًا، وأرحب عفوًا، وأن نقول عند كل قبيح وآثم: «اللهم إني صائم»، أن نعطي من أنفسنا ما نُعطي من أموالنا، ولو بالقول اللين الخفيف على اللسان: «الحمد لله، والشكر لله»، أن نأخذ التأديب لأجسامنا، والسمو لروحنا، والعَظَمة للنفس، والبذل والعطاء والخير، كل ذلك من هذا الشهر، فلا يضيعنه أحدٌ دون أن ينهل منه، وكما ذُكر في الحديث الصحيح عن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «رَغم أنف امرئٍ أدرك رمضان ولم يُغفر له».

فعيب علينا، أن نتركه يمر دون أن ننهل من خيره، ومن أنهاره الجاريات، لتكن قلوبنا مع هذا الشهر في أسمى مقاصدها، وأن نحثها ونثبطها على بلوغ مرام الخير، فلا سبيل لرضا الله سوى التقوى، ولا مناص من دخول الجنة إلا بطاعة الله تعالى، فلرنرفع أيدينا جميعا إلى الله تعالى، في هذا الشهر الكريم؛ رمضان، الذي تجلى وابتسمَ، مرحى للعبد إذا اغتنمَ، لقد أشرق النور الجلي، مشرقةً أيامه الغرّ بالخير والنعم، فيض من البر والإيمانِ سبيلهُ، بالغ الجود والخير والكرمِ، فلنسأل الله فيه من كل خير، أن نكون ممن سيدخلون من باب الريان، وأن نُعتق من النار، فلنسأل العزيز الغفار في الليل والنهار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات