في حفل صغيري فاجأتني! حفل نهاية العام الدراسي، تلك الحفلات التي أصبحت ومنذ عامين ماضيين لا يأتي وقتها إلا مرافقًا لوقت الصيام، فتذهب لتراقب ما تدرب عليه طفلك طوال شهرين ماضيين، ثم تقاوم رغبة عارمة في العودة للمنزل مع بداية الجميع في تناول الطعام، حيث لا يعي الأغلبية أنك ممتنع بالفعل عن تناول الطعام والشراب معهم، وغالبًا ما تنتهي رغبتك تلك بالمغادرة فعلًا في خلال نصف ساعة على الأكثر.

إلا أنها ببضع كلمات منها فاجأتني، “رمضان سعيد عليكم”، هكذا قالتها من ورائي. لقد نسيت، نسيت كيف يمكن أن يبارك لي أحد من غير المسلمين بقدوم رمضان، ربما لم أتوقع أيضًا أن أستمع لتلك الكلمات في هذا المكان. لقد مضت بضع ثوانٍ قبل أن أبتسم لصديقتي المجرية وأشكرها على مباركتها اللطيفة.

ثمانية عشر ساعة، هي عدد الساعات التي يقضيها المسلم صائمًا هنا حيث أقيم في جنوب ألمانيا، تزداد كلما اتجهنا شمالًا حتى تقارب العشرين من الساعات. لا يمكنك أن تأمل في أن تستمع لأذان المغرب على هاتفك الجوال، أو منبعثًا من ساعتك الحائطية، قبل التاسعة والنصف مساءً، تقل بمعدل 10 دقائق فقط عند نهاية رمضان. ورغم تأخر غروب الشمس، إلا أنه ما زال بإمكانك أن ترى سماءً مضيئة من حولك حتى مع بلوغ الساعة الحادية عشر ليلًا.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

إنه أول يوم من أيام شهر رمضان، يوم لا يختلف كثيرًا عن سابقه، فلم يطرأ على الدنيا من حولك جديد، إلا صيامك أنت. حيث تستمر الحياة هنا كالمعتاد، فتمتزج رائحة الخبز الطازج مع نسمات الصباح الباردة، يرافقها أحيانًا تلك الرائحة المميزة للقهوة التي لن تنعم بتناولها بعد اليوم، والتي تعلم أنك ربما لن تنعم بذلك إلا بعد نهار طويل، يمضي ببطء وكأن عقارب الساعة قد توقفت عن الدوران.

يمارس الصغار رياضتهم المعتادة في المدارس، وترتص طاولات المطاعم في الطرقات، لتمتلأ بمرتاديها مع انتصاف النهار، إذا ما تصادف وكان اليوم مشمسًا.

لا يعلم الألمان الكثير عن رمضان، بل ربما لا يعلم غالبهم أنه قد بدأ بالفعل في هذه الأيام. إن أغلب ما يعلموه عنه هذا إن علموا، هو أننا نصوم من شروق الشمس (وليس من أذان الفجر)، وحتى غروبها، وأن الصيام فرض على الجميع، بلا استثناءات ولا رُخَص. لذلك تجد تعاطفًا كبيرًا إذا ما كنت مريضًا وذهبت للطبيب، فيسألك كيف ستتصرف مع صيامك؟ لتخبره بمنتهى البساطة أنني يمكنني أن أفطر بسبب مرضي، لا بأس لدينا في ذلك. أو تجد إصرارًا أحيانًا من المدرسة أن الطفل عليه أن يشرب، وأنهم إذا شعروا بتعبه فسيطلبون منه أن يشرب ماءً على الأقل، فلا تمانع في ذلك. ربما يجدون رد فعلك السريع أمرًا غريبًا، ربما هو أكثر غرابة لأنني أرتدي الحجاب، مما يعني أنني أكثر التزامًا و إصرارًا على قواعد الدين.

لا ينفك هذا السؤال إلا وأن يعود دون كلل أو ملل، عامًا بعد عام، ربما أحيانًا من نفس السائل الذي سأله في العام الماضي، حيث يبدو أن إجابتك على سؤاله لم تقنعه كثيرًا فعاد يسأله من جديد، “حسن أنا أستطيع أن أتفهم قضاءك لهذا الوقت الطويل دون طعام، ولكن دون ماء! مستحيل، كيف يمكنك أن تفعل ذلك، عليك أن تشرب وإلا فسوف تعاني من مشاكل كثيرة مع كليتيك”، تحاول أن تشرح له أن أكثر من مليار ونصف من المسلمين يصومون كل عام، ولم تسمع من قبل عن مشاكل واجهتهم بسبب امتناعهم عن الماء في نهار رمضان، كما أنك تعوض ما نقص منك بشرب الكثير من المياه بعد الإفطار. ما زالت تلك النظرة غير المقتنعة لم تفارق عينيه، وكأنه يريد أن يخبرك، كلا سوف تمرض حتمًا أنا أعلم ذلك جيدًا!

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

 

سألتني مدربة الرياضة الخاصة بطفلي ذي العشر سنوات إن كان سيحضر المباريات النهائية المقامة في نهاية الأسبوع، فأخبرتها أن الأمر يعود بالكامل إليه، فهو يريد أن يصوم يومًا كاملًا ولا يتوفر له هذا الأمر بشكل جيد إلا في عطلة نهاية الأسبوع، حيث أنه حاول أن يصوم في يوم دراسي وتعب كثيرًا من طول اليوم. تجيبني مستنكرة بأكبر قدر من التعاطف معه “أليس صغيرًا، ألا يمكنك السماح له بتناول الطعام”، لأخبرها بأنها كانت رغبته، وأنني حاولت معه بالفعل كي يكسر صيامه ويفطر ورفض هو بشكل قاطع. “ولكنه صغير، واليوم حقًا طويل جدًا، أليس هناك رخصة له للأكل؟” لأفاجئها بأنني شخصيًا إن تعبت من طول اليوم والصيام فيمكنني أن أفطر، ليس هناك أية مشكلة، وسأعيد هذا اليوم في فصل الشتاء، عندما تبلغ عدد ساعات الصيام ما يقل عن التسع ساعات، أفلا يكون الأمر إذًا أبسط في حالة الأطفال! لقد سمعت مني المعلومة للمرة الأولى.

وبالرغم من ذلك إلا أن الأمر قد اختلف كثيرًا عن الماضي، فعدد من باتوا يعرفون برمضان اليوم هو بالتأكيد أكثر ممن عرفوا عنه منذ عشر سنوات، وسيتحسن الوضع أكثر بعد عشر سنوات تالية.
لا تجد مظاهر رمضان إلا إن كنت تذهب إلى المسجد ليلًا للصلاة، أو قبل المغرب لتفطر مع الجالية المسلمة هناك، عندما يجتمع الجميع في وقت واحد على مائدة الإفطار، لا فرق بين أحد منهم، يجلس الليبي بجانب المغربي والتونسي، والأندونيسي وذلك الألماني الذي دخل حديثًا في الإسلام، يحاوره آخر قد سبقه للإسلام بعدة أعوام. تتناول إفطارًا أعده القائمون على المسجد، ولا يمنع ذلك أن بعض الجاليات الأخرى تحضر بعضًا من أطباقها المميزة، تشارك بها الجميع في الإفطار.

 

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

تصطف للصلاة، ليجمع الصف الواحد العديد من الأجناس. هنا، في الغرب حيث يمكنك حقًا أن تشعر بامتداد الإسلام، تستشعر حقًا الأخوة في الدين، ذلك السحر العجيب الذي يجعل قلبك يتآلف مع شخص لم تره سوى للمرة الأولى بمجرد إلقائه السلام عليك: “السلام عليكم”، ذلك السلام الذي يحمل العديد من اللكنات المختلفة. تراقب عيونًا قد أدمعت عندما لمس القرآن جزءًا من قلبها. إنه رمضان في تلك الأرض البعيدة عن دياره.

إلا أنه وبسبب قدوم رمضان في أطول الأيام التي تمر على القارة الأوروبية، مع استمرار الدراسة في المدارس وحتى ما بعد نهاية الشهر، لا يسمح ذلك للكثيرين بالذهاب للمسجد إلا في عطلة نهاية الأسبوع، حتى يمكنك الانتهاء من صلاة التروايح والساعة تشارف على منتصف الليل.

ربما لا يمكنك أن تجد مظاهر كثيرة تعبر لك عن شهر رمضان، ولا أشخاصًا فيمن حولك يشاركونك الصيام، وبالطبع فالغالبية العظمى يقضون رمضان هنا بعيدًا عن أهلهم وأحبائهم. إلا أنه ما زال في إمكانك أن تجد لرمضان روحًا غير الروح في هذه البلاد. تستشعر قيامك بعبادة الله في بلاد لا تعبده، إيصالك للرسالة دون حديث أو كلام، فقط عملك أنت هو ما يتحدث عن دينك، عملك وحرصك هو ما يجعل من حولك يبدأ بالسؤال والتساؤل، ولا تعلم ما قد تحدثه بضع كلمات ألقيتها في يوم من الأيام بعد بضع سنين.

كما أن رمضان ما هو إلا شهر للقرب حقًا من الله، لا من الناس. أية نعمة تلك التي أنعم الله بها عليك، أن تقوم بعبادته في بقعة من الأرض قد تكون أول من عبدته فيها.

لرمضان أرواح عديدة، يكتسبها من تخيل الصائمين عنه، ولا زلت منذ وطئت هذه البلاد بقدمي، لا أحب روح رمضان إلا هنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد