في كل سنة يترقب المؤمنون من عباد الله الصالحين في مشارقِ الأرض ومغاربِها بقلوبٍ يمَلؤها الرجاء والخوف من الله، أن تُدرِكَ أيامَه ولياليه ويسألونَ الله أن يُبَلِغَهم إياه ويرجون فيه منه رحمةَ الله وإحسانَه وعفوه ورضاه.

شهر رمضان المُبارك الذي أنزل الله فيه القرآن على النبيِّ محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم

وهذا الشهر العظيم له حُرْمَةٌ عظيمة عند الله عزَّ وجلَّ ومنزلةٌ كريمةٌ عنده من خلال آياتِ الكتابِ المبين الذي أنزلها على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقال الله في كتابه الكريم.

(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ )

وهذا يَدُلُ على أنَّ سُنَّة الاختيار للأنبياء تكون من عند الله عزَّ وجلَّ.

وقال الله وقولُه الحَقّ:

( اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ )

فاصطفى الله تعالى من الملائكة رُسُلا جبريل وميكائيل واصطفى حَمَلَةَ العرش، واصطفى من بني آدم الأنبياء، واصطفى من البِقاعِ مَكّةَ والمدينة، واصطفى من الكَلِمِ ذِكْرَه جَلَّ وعلا، واصطفى من الأيامِ يومَ الجمُعَة، واصطفى من الشهورِ شهرَ رمضان المُبارك.

فيعلم المؤمن ابتداءً أنَّ الله عزَّ وجلَّ اصطفى هذا الشهر من سائر الشهور والله تعالى يقول:

(ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ)

ومن ثم يقول الله تبارك وتعالى:

(ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)

وشهرُ رمضان شَعِيْرَةٌ عُظمى من شعائر هذا الدين وعظَّم الله حُرمته وأجلَّ مكانَته والنبي صلى الله عليه وسلم عَظَّمَ شهر رمضان أيضًا وبيَّن منزِلتَه وأثَرَه.

ولا ينبغي للمؤمن أن يعقد في قلبَهُ على الفُجُورِ يُنازِعُ فيه ربَه أو يعصيه فيه قبل اقترابه وفي نهارِ رمضانَ ولياليه والله عزَّ وجلَّ، شديدُ المِحال عزيز ذو انتقام وقال الله في كتابه الكريم:

( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ )

وقال في موضعٍ آخر سبحانه وتعالى:

( أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )

وكما تعلم جرَت سُنَنُ الله في كونِه أنَّ العادة بين الناس أنَّ الإنسان يحمي وجهه بيديه فإذا أتى شخصٌ ليؤذي شخصًا ما جعل يديه بينَه وبين خصمه ليحمي وجهه ولكن الله عزَّ وجلَّ يقول هنا:

( أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )

فيومَ القيامة لا يبقَ للإنسان إلا وجهه يوم القيامة ليتقِ به النار وإذا كان الأمرُ كذلك فإنَّ نبيَنا محمد صلى الله عليه وسلم قال:

من صام يومًا في سبيل الله بَعَّدَ اللهُ وجهَهُ عن النار سبعين خريفًا

وفي الخبَرِ الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصِّيَامُ جُنَّةٌ أي وقاية،

فالصيام فرضه الله تعالى عزَّ وجلَّ في شهرِ رمضانَ فقط ولم يوجب الله إلا في هذا الشهر صيامَه على من شَهِدَه قال الله:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )

فكتب الله تعالى على هذا الأمة صيام شهر رمضان كما صامه الأمم من قبل وقال الله في حقِّ صيامِه لمن شَهِدَ هذا الشهر المُبارك

( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ )

والصيام ركن من أركان الدين وهو شعيرة عُظمى من شعائر المسلمين.

قال الإمام الذهبي رحمه الله:
وعند المسلمين مقرر أن من أفطر يومًا من رمضان عمدًا من غير عذر فهو شر من الزاني وشر من مدمن الخمر، بل يظنون به الزندقة والانحلال.

وكل ذلك لِما استقر في قلوب المسلمين من عظيم حرمة هذا الشهر وفضله ويكون ذلك في صيامه وكما أمر الله تعالى في كتابه ونبيه في سنته إلا أن يكون الإفطار في عذر بيّنه الله تعالى في كتابه الكريم، حيثُ قال وقوله الحقّ:

( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ )

والمراد عظيم حرمة الصوم وأنَّها أجل المطالب.

قال نبينا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه وآله وأصحابه:

بني الإسلام على خمسٍ، شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا.

وقيامُ شهر رمضان المبارك أعظم وأوكد وأجَل من التهجد والقيام في الليل الذي قال الله تعالى فيه عن عباده المؤمنون:

( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ )

وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان أولَه وثانيه وثالِثَه وكانوا الناس يُصلون لصلاته صلوات ربي وسلامه عليه،

ولمَّا كان من شَفَقَة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته امتنع الخروج على الناس لِكي لا تُصبِحَ صلاةُ التراويح فرضًا،

وصلى الناس بعد ذلك أرسالًا وجماعات يصلي الرجل لوحده ومعه الرجل والرجلان زمنه عليه السلام وزمن الصدّيق أبي بكر وزمن الفاروق عُمر رضي الله عنه.

ودخل الفاروق عمر أمير المؤمنين على الناس في مسجدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى الناسَ يصلون كما كانوا يصلون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخليفته أبي بكرٍ وقال: ما أكمل لو جمعت هؤلاء. فأمر أبي بن كعب ٍ وتميمًا الداريّ رضي الله عنهما أن يُصليا بالناس. فدخل الفاروق على الناس بليالٍ بعد أن أمر الناس أن يجتمعوا على إمامٍ واحد ولم يكن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم آنذاك فيه ضوء وقال بعد أن رأى الناس تُصلي خلفَ إمامٍ واحد:

نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَ الَّتِي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنْ الَّتِي تَقُومُونَ – يَعْنِي آخِرَ اللَّيْلِ- وَ كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ

ولو صلى الناس التراويح وقاموا من الليل لكانت عبادتهم أفضل وأعظَمَ وهم المتقون كما قال الله تعالى:

(تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)

قال الله عزَّ وجلَّ:

(لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)

وفُسِرَ البِرُ هُنا بالجَّنَة وقال علماء أنَّه من أطايبِ مايملك الشخص من أيِّ شيء يُمِكَنُ انفاقه في سبيل الله وابتغاء مرضاته وأن يكون الإنسان بعيدًا عن مرضِ الوفاة أي قبل دُنوِ الأجَل والإنفاق مما يُحِبُ الشخص ابتغاء الله ومرضاته.

والنفقة في سائر العام مقبولة كما قال الله عزَّ وجلَّ:

(فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ)

لكن الإنفاق في شهر رمضان أعظم أجرًا وأمثل أمرًا لسنة الحبيب الشفيع صلوات الله وسلامه عليه.

قال ابن عباس رضوان الله عليه: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجودُ مايكون في شهرِ رمضان إذا لَقِيَهُ جبريل وكان كالريح المُرسَلَة. وكان نبينا صلوات الله وسلامه عليه عندما يلقاه جبريل عليه السلام يتذكر الملأ الأعلى والملكوت الأسنى ويزداد رغبةً في الخير، من ذلك إطعام المساكين وإفطار الصائمين والقيامُ على الأرامل والمُعْوِزِيْن، فمالٌ قليل تضعه في يد محتاجٍ يرفع الله لك به الذِكر ويَحُطُ عنك الوِزر فيجعله الله لك يوم القيامة ملاذًا لك، ويكون كل مؤمن تحت ظِلّ صدقته.

قال الله عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم:

(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)

فالقرآن الكريم كلامُ الله عزَّ وجلَّ تكلم به حقيقةً على الوجه الذي يليق بجلاله وعظَمتِه، وما أنزلَ الله كتابًا سماويًا أعظَمَ من القُرآن الكريم ومن تلاه وُفِق ومن عمل به نال الإمامة في الدين وأنُزِلَ القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم في ليلةٍ من شهر رمضان المُبارك، فقال الله تعالى:

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ)

فالقرآن كما معظمٌ في الأرض هو معظمٌ في السماء، قال الله تعالى:

(بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16))

فالإقبال على القرآن الكريم تلاوةً وتدبرًا شأن عباد الله المؤمنين الصالحين واتباعهم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنَّ جبريل كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويُدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم.

فتأمل جلال العبدين الصالحين ولا أكمل من عباد الله من الملائكة من جبريل وكذلك من البشر من محمد صلى الله عليه وسلم ومن كلام الله تعالى فلا أكمل منه وأجمل فهو القرآن الكريم.

قال الله تعالى في كتابه الكريم:

(وَأَتِمُّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة لِلَّهِ)

وأشهر الحج معلومة وهي: شوال وذو القعدة وعشر ليالٍ من ذي الحجة أولِها، وأمَّا العمرة فيمكن القيام بها في سائر العام كما شرَعها الله لنا، ولكنَّها في رمضان أشرفُ وأعظَمَ.

وكما تعلم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يَحُجَ في الإسلام إلا حَجَةً واحدة وأكمل الله بعد تلك الحجة الدين وعندما رجع النبي صلى الله عليه وسلم لمدينته قابل امرأةً وعلمَّ أنَّها لم تحج معه وقال لها: ما منعك أن لا تحجي معي؟

قالت وأخبرته بقِصَرِ ذاتِ اليّد ومالها من أعذار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإذا كانَ رمضلن فاعتمري؛ لأنَّ عُمرةً في رمضان تعدِلُ حجة معي.

وقوله صلى الله عليه وسلم لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ:

فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. ولَخَلُوف فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْك

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُفطِرُ على رُطَباتٍ، وإن لم يِتَيَسر على تمرات، وإن لم يَتَيَسَر على ماء وكان يُصلي بعد ذلك صلوات الله وسلامه.

قال الله تعالى:

(وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ)

فالسَحَرُ وقتٌ عظيمٌ من الأوقات للاستغفار، ولذلك أيضًا شَرَعَ لنا نبينا صلى الله عليه وسلم أكلَةَ السحور حيثُ قال:

تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً

ومن بركة السحور أن فيه مخالفة لأهل الكتاب، والمسلم مطلوب منه البعد عن التشبه بهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

فصلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أَكْلَةُ السَحُور

وكلُ ذلك لا يكون لأحد إلا إذا وفَقَّه الله تعالى وفي كتابه يقول:

(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)

ليس في الدين حرجٌ ولا أغلاَل ولا إصر.

قال الله تعالى:

(وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ۖ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ۖ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)

أي نزَعَ اللهُ تعالى من قلوبهم العداوة وقال أهل الجَنَّة الحمدلله وشكروا الله عزَّ وجلَّ على هذه النعمة الخالدة وإدخالهم الجنة.

فالإيمان بالله والعمُلُ الصالح ليس له جزاءٌ إلا الجنَّة بعونِ الله وكرمه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد