في العصور المملوكية بلغت العناية بالتجهيز  لشهر رمضان والاحتفال به درجة هائلة لا يضاهيها عصر آخر من  حيث المظاهر الرمضانية المميزة بالفخامة والأبهة والإسراف، ومع بدايات رمضان كانت أقدام المصريين تتجه بهم نحو «الخوانق» أو بيوت الصوفيين، والتي كانت تمثل أكبر منازل الاحتفاء الديني برمضان، يحتشد فيها الصوفيون لأداء الصلوات الخمس والتراويح وقراءة القرآن في خشوع وإجلال يخطف الأنظار والقلوب.

ومن أشهرها خانقاة سعد الدين بن غراب، وبحسب طبيعة هذه العصور كانت بيوت الله تبنى بأموال حرام، ومع ذلك كانوا يبنونها طمعًا في الجنة! وابن غراب بحسب أحد معاصريه كان غدارًا، لا يتوانى عن طلب عدوه ولا يرضى من نكبته بدون إتلاف النفس، فكم ناطح كبشًا وعالج جبالًا شامخة واقتلع دولًا من أصولها الراسخة، وهو أحد من قام بتخريب إقليم مصر برفعه سعر الذهب.

لم يكن الناس على قلب واحد فيما يتعلق بمسألة الالتزام بالصيام في رمضان؛ فقد كانت النساء البدينات – وهو الذوق المطلوب في هذه العصور – يتجنبن الصيام خشية فقد أوزانهن، وخاصة الأبكار منهن! حيث كن يتعاطين وصفة بلدي مكونة من أكل الطين والطفلة الطينية مع بعض الأدوية من العطار حتى يزددن وزنًا، ومن الطريف أن نائب السلطان برقوق الأمير كَمشبُغا في شهر رمضان سنة 784هـ حينما وجد النساء يرتدن المقابر بثياب واسعة الأكمام عين من يقطع لهن هذه الأكمام الواسعة!

كان  المماليك أول من خصصوا في حجج أوقافهم العقارات والأطيان الزراعية لينفق ريعها في إقامة الشعائر الدينية وتوزيع الحصص المالية على الفقراء وطلبة العلم والمساجد طوال أيام رمضان. وقد كان لشهر رمضان العديد من  المظاهر والخصائص المميزة في العصر المملوكي والتي منحته نكهة خاصة.

وأولى هذه الخصائص والمظاهر: طريقة أستطلاع هلال رمضان حيث يجتمع قاضي القضاة والفقهاء لرؤية الهلال عبر منارة مدرسة المنصور قلاوون بالنحاسين فإذا تثبتوا عادوا وبصحبتهم أرباب الحرف والطوائف متهللين وحاملين الفوانيس والشموع لتتزين القاهرة بمجيئهم بأزهى حلة؛ فقد جاء رمضان.

ويصف الرحالة ابن بطوطه هذا المشهد وقد زار مصر في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون وذلك مع دخول شهر رمضان حيث نزل عند قاضي مدينة أبيار (عز الدين المليجي الشافعي) قائلًا: «وعادتهم فيه أن يجتمع فقهاء المدينة ووجوهها بعد العصر من اليوم التاسع والعشرين من شعبان بدار القاضي، ويقفُ على الباب نقيب المتعمّمين، وهو ذو شارة وهيئة حسنة، فإذا أتى أحد الفقهاء أو الوجوه تلقّاه ذلك النقيب ومشى بين يديه قائلًا: بسم الله. سيدنا فلان الدين! فيسمعُه القاضي ومن معه فيقومون له، ويجلسه النقيبُ في موضع يليق به، فإذا تكاملوا هنالك ركب القاضي وركب من معه أجمعين وتبعهم جميع من بالمدينة من الرجال والنساء والعبيد والصبيان، وينتهون إلى موضع مرتفع خارج المدينة، وهو مرتقبُ الهلال عندهم، وقد فُرش ذلك الموضع بالبُسُط والفُرش فينزل فيه القاضي ومن معه فيرتقبون الهلال، ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب، وبين أيديهم الشمع والمشاعل والفوانيس، فيكون ذلك دليلًا على ثبوت الرؤية ويوقِدُ أهل الحوانيت بحوانيتهم الشمع، ويصل الناس مع القاضي إلى داره ثم ينصرفون، هكذا فعلهم كل سنة». ثم يجلس السلطان على كرسيه بالقلعة حيث يتوافد عليه المهنئون وفي طليعتهم القضاة الأربعة: الحنفية، والشافعية، والمالكية، والحنابلة، وكبار رجال الدولة.

ويمكننا أن نرى هذا المشهد أكثر مع حوليات عام 920هـ مع وصف المؤرخ محمد بن شهاب الدين بن إياس في كتابه بدائع الزهور في وقائع الدهور لموكب الرؤية في عهد السلطان قنصوه الغوري قائلًا: (وأما في ليلة رؤية الهلال فحضر القضاة الأربعة إلى المدرسة المنصورية، وحضر الزيني بركات بن موسى المحتسب، فلما ثبتت رؤية الهلال وانفض المجلس ركب بركات من هناك. فتلاقاه الفوانيس والمنجانيق والمشاعل والشموع الموقدة، فلم يحص ذلك لكثرته. ووقدوا له الشموع على الدكاكين وعلقوا له التنانير والأحمال الموقدة بالقناديل من الأشاطيين إلى سوق مرجوش إلى الحباشية، إلى سويقة اللبن، إلى عند بيته).

ثم يتوجه القضاة الأربعة والمحتسب إلى السلطان، لتهنئته بحلول شهر رمضان. ثم يعرض الوزير والمحتسب اللحم والدقيق والخبز والسكر والبقر والغنم على السلطان.. ولا يخلو الأمر من طرافة فقد حدث أن ثبت الهلال مع انتصاف النهار في عصر السلطان برقوق فحدث اضطراب شديد وسارع قاضي الشافعية بالنداء بالإمساك بعد أن كان الطعام قد وضع على الموائد، كما طرد السلطان مدعويه، وأمر برفع الصحاف، وأعلن الصيام، ولم يكن باقيًا على المغرب سوى بضعة ساعات!

وفي عصر السلطان الغورى حدث خلاف على رؤية الهلال بين الجراكسة وشيوخ الأزهر، ففيما أعلن الجراكسة ومعهم الوالي أنهم رأوا الهلال من فوق مآذن مسجد المتولي وساد الاحتفال الناس فكبروا وأوقدوا المشاعل ابتهاجًا، ففي المقابل أعلن القضاة الأربعة ومشايخ الأزهر أنه لا أثر للهلال وصاح أحد المشايخ في الناس: أطفئوا المصابيح يا حرافيش، أتصدقون الجراكسة وتكذبون العمائم؟ فأطفأ الناس المشاعل، ومع اتساع المواجهة بين الطرفين عاد الجراكسة ومعهم مزيد من الجند وأصروا أنهم رأوا الهلال، فأوقد الناس المشاعل مرة أخري، فصاح المشايخ «أيعلمنا الجراكسة أمور ديننا؟» فأطفأ الناس المشاعل وأوقدوها وأطفأوها عدة مرات واحتدم الأمر مع إمساك أحد الجراكسة لذقن أحد المشايخ فأوسعه الشيخ ضربًا بالمركوب وانطلقوا جميعًا إلى السلطان ليحكم بينهم وكان السلطان في موقف لا يحسد عليه، فالسماء أعلاه مظلمة ولو أقر بصحة المشايخ فسيغضب الجراكسة وهم أعوانه فمال إلى الجراكسة وأقر أنه لمح الهلال وباتت القاهرة منقسمة بين صائم ومفطر.

ومع انهيار الحكم المملوكي وتولي العثمانيين فقد أوكلوا إلى قاض حنفي تركي مهمة استطلاع الهلال وبحسب ابن إياس فقد كان القاضي جاهلًا بالقواعد الفقهية المنظمة لاستطلاع الهلال، حتى وصفه معاصروه بأنه كان أجهل من حمار وقد شهد استطلاع هلال شهر رمضان لعام 924 هجرية (الموافق 1518 ميلادية) تضاربًا وتخبطًا في تحديد أول أيام الصيام وأول أيام عيد الفطر، حتى أن أهالي الإسكندرية ودمياط صاموا قبل سكان القاهرة بيوم، وقد ذكر ابن إياس أن الناس في مصر المحروسة (القاهرة) صاموا يوم السبت، بينما صام أهالي الإسكندرية ودمياط يوم الجمعة، ولم يعلم الناس بهذا الخطأ إلا بعد انقضاء أيام العيد. وعندما علموا هاجم الشعراء القاضي التركي فقال أحدهم:

يا قاضيًا بات أعمى … عن الهلال السعيد
أفطرت في رمضان … وصمت في يوم عيد

ومن المظاهر الأخرى انتشار أمامة الغلمان للتراويح ووصل الأمر إلى الحرم المكي ذاته وهو من الظواهر الفريدة في التاريخ الإسلامي من حيث الكثرة والانتشار ومن أشهرهم الإمام سراج الدين البُلقيني والذي صلّى بالناس وعمره 10 سنوات بعدما أتم حفظ القرآن الكريم. والامام ابن حجر العسقلاني والذي صلّى بالناس التراويح في وعمره لم يتجاوز 12عامًا والحال كذلك مع العلامة سبط ابن العجمي برهان الدين إبراهيم بن محمد الحلبي.. وهي من المظاهر الحسنة في العهد المملوكي والتي أفرزت العديد من الأئمة التاريخيين في هذه العصور.

وكانت مدة صلاة التراويح تتفاوت ما بين السرعة الشديدة حتي جاء وصفها بالصلاة المسلوقة ومنهم أحمد بن عبد الله الدوري المكّي، أحد فرّاشي الحرم المكي، قال عنه السخاوي: (كان يُصلِّي بالنَّاس التَّراويح فيصلِّي معه الجم الغفير لمزيد تخفيفه، ويلقبِّون صلاته بالمسلوقة) أو تأديتها ببطء شديد إلى قُبيل صلاة الفجر، منهم تقيّ الدّين عبد الرَّحمن بن أحمد بن عليّ المعروف بابن الواسطيّ، وكان عارفًا بالقراءات، ويقرأ بالمصحف في الجامع الأزهر ويقوم في رمضان بعد التَّراويح إلى طلوع الفجر.

ويبدو أن تجربة السلطان المملوكي حشقدم لأحد المدافع الجديدة قد دخل به وبعمله هذا التاريخ من أوسع أبوابه حيث صادف إطلاق المدفع وقت الغروب فى أول يوم رمضان فظن الناس أن السلطان قد استخدم المدفع في سبيل تنبيه الصائمين إلى موعد الإفطار فخرج الناس في جموع لتقديم واجب الشكر للسلطان علي صنيعه؛ مما دفع السلطان إلى تخصيص مدفعين واحد للإفطار والآخر للسحور وصار تقليدًا حتي يومنا هذا.

وكان المسحراتي أحد أبرز المظاهر الرمضانية فكان يطوف القاهرة بصوته بينما في الإسكندرية كان يطرق على الأبواب قائلًا: (قوموا كلوا) وذلك بحسب الرحالة المغربي ابن الحاج والذي زار مصر في عهد الناصر محمد بن قلاوون.. ويعود الفضل للظاهر بيبرس في حماية هذه المهنة من الاندثار باجتذاب عدد من العامة وصغار رجال الدين للقيام بها.

الطريف في المظاهر الرمضانية في العهد المملوكي هو ختم صحيح البخاري كل عام في مقر الحكم  بالقلعة في حفل كبير يحضره السلطان والقضاة الأربعة والفقهاء وكبار موظفي الدولة، ويتم توزيع الخلع والهبات على العلماء والفقهاء وطلبة الأزهر والأيتام والأرامل. يقول ابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة»: (كانت العادة من أيّام الأشرف شعبان بن حسين (ت 778هـ) أن تبدأ قراءة البخاري في أول يوم من شهر رمضان، ويحضر قاضي القضاة الشافعي، والشيخ سراج الدين عمر البلقينىّ وطائفة قليلة العدد لسماع البُخاري، ويختم في سابع عشرينه، ويُخلع على قاضي القضاة، ويركب بغلة بزنّاري (غطاء من الصوف للبغلة أو الفرس) تُخرج له من الإسطبل السلطاني، ولم يزل الأمر على هذا حتى تسلطن المؤيَّد شيخ (ت 824هـ) فابتدأ بالقراءة من أول شعبان إلى سابع عشرين شهر رمضان، وطلب قضاة القضاة الأربعة ومشايخ العلم وقرّر عدّة من الطلبة يحضرون أيضًا). وأحيانًا كانت تناقش وسط هذا الجمع  بعض المسائل الفقهية ولربما تطور الأمر الي مالايحمد عقباه مثلما حدث عام 1434م في حضور السلطان الأشرف برسباي حيث أمر بإحضار «الفلقة والعصا» في المجلس لتأديب المتشاحنين المتجاوزين. ثم جاء السلطان جقمق ليمنع أية مناقشات في مجلس قراءة صحيح البخاري.

وكانت القناديل أو الفوانيس تضيء المساجد والشوارع ليلًا وقد اقترح العلماء على السلطان برسباي عدم إطفائها الي طلوع الفجر لتكون علامة للناس على آخر وقت للسحور فإن أطفئت الفوانيس بدأ الصيام.

ومن عادات السلاطين الطريفة في رمضان فتح الأبواب لشكاوى الشعب في عهد السلطان برقوق ومن العادات الأخرى طلب الفتوى من العلماء ومن أغربها ما أقدم عليه السلطان الأشرف أبو المعالي والذي استدعى شيوخه ذات يوم علة عجل وكان بصحبته وزيره (منجك) فابتدرهم الوزير والهدوء على وجهه: (السلطان يريد فتوى لإفطار رمضان) فساد الوجوم وكأن على رؤوسهم الطير واحتقن وجه السلطان غضبًا وهو يصيح: (هيه يا مشايخ، ماذا تقولون؟) فراح القاضي المالكي يسرد عليه أحكام الصوم ومبيحات الإفطار، ولكن ليس فيها ما بيبح للسلطان الإفطار، فغضب السلطان قائلًا: (أنا مريض يا مشايخ، ضعيف)، ثم اهتدى أحد المشايخ إلى الحل، فليسافر السلطان، فالسفر عذر شرعي مبيح للإفطار، وهنا تهلل وجه السلطان ووزيره ومن فوره سافر لتفقد قلاع الإسكندرية ودمياط، ثم رحل بعد ذلك إلى الشام! أما السلطان قلاوون فكان يشغله ليلة الرؤية فتوى إعادة بناء كنيس لليهود بفلسطين آيلة للسقوط وكانت المعضلة: (هل يجوز هدمها لهذا السبب دون أن يعد ذلك اعتداء على أهل الكتاب، أم يعاد بناؤها كما كانت من قبل؟) وشهد الأمر انقسامًا بين الحضور حيث أفتي البعض بجواز هدمها ما دام وجودها علي هذه الحالة يعد خطرًا، وبعضهم حبذ إعادة تجديدها وظل السلطان في حيرة! ولو عرف ما تخبئ الأقدار لهذه الأمة لهدمها وأراح واستراح!

كما اعتاد سلاطين المماليك إعتاق 30 عبدًا في رمضان والإفراج عن بعض المساجين إلا أن قاعدة العفو لم تكن دومًا علي نفس الوتيرة لدي السلاطين المماليك فقد استخدام السلطان فرج بن برقوق قاعدة العفو في رمضان لتكون حيلة لاجتثات معارضيه من المماليك الظاهرية (مماليك أبيه) حيث أطلق المنادين في القاهرة  بأن المماليك المختفين يظهرون وعليهم أمان الله، وأنهم عتقاء شهر رمضان وكلما ظهرت مجموعة كان يقبض عليهم في سرية تامة ودون إشعار الأخرين ويقول المقريزي إنه لم يمض الشهر الكريم إلا وكان أكثر من 400 مملوك في السجن، ويذكر صاحب كتاب النجوم الزاهرة إنهم سجنوا جميعًا في سجن القلعة، ولهذا لم يأمنه بقية المماليك بعد ذلك.

ومن أغرب العادات السلطانية في رمضان عادة تربية الحمام لدى السلطان  حاجي بن الناصر محمد بن قلاوون وكان قدوم شهر رمضان فرصته حيث انشغال الناس بالصيام والاحتفالات، فيأمر كبار رجال الدولة بعدم الحضور إلى قصره حتى ينتهي شهر رمضان؛ حتى يتسنى له اللعب بالحمام مع أوباش الناس حيث يتعري ويلبس ثياب جلد ويصارع معهم، ويصف ابن تغري بردي ذلك قائلًا: (أعاد حضير الحمام وأعاد أرباب الملاعيب من الصّراع والثقاف والشباك، وجري السّعاة، ونطاح الكباش، ومناقرة الدّيوك، والقمار، وغير ذلك من أنواع الفساد.

ونودي بإطلاق اللعب بذلك بالقاهرة، وصار للسلطان اجتماع بالأوباش وأراذل الطوائف من الفراشين والبابية ومُطيّري الحمام، فكان السلطان يقفُ معهم ويُراهن على الطير الفلاني والطيرة الفلانيّة. وبينما هو ذات يوم معهم عند حضير الحمام، وقد سيّبها إذ أذّن العصرُ بالقلعة والقرافة فجفَلت الحمام عن مقاصيرها وتطايرت، فغضب وبعث إلى المؤذّنين يأمرهم أنهم إذا رأوا الحمام لا يرفعون أصواتهم، ويلعب مع العوامّ بالعصىّ، وكان السلطان إذا لعب مع الأوباش يتعرّى ويلبس تبّان جلد، ويُصارع معهم ويلعب بالرّمح والكرة، فيظلّ نهاره مع الغلمان والعبيد، وصار يتجاهر بما لا يليق به أن يفعله).

أما السلطان بيبرس والذي شهد عصره طفرة عسكرية فقد كان حريصًا على متابعة التدريبات العسكرية في رمضان، وكان يُعطي الهدايا والجوائز لمن يرى فيه القوة والمهارة، قال المقريزي: (رسم للعسكر بالتأهّب للعب القبق (الرمي بالرماح على هدف عال) ورمي النشَّاب (السهام) فيركب من كل 10 فارسان في أحسن زيهم وقت الحرب، وركب السُّلطان في مماليكه ودخلوا في الطعن بالرِّماح، ثمَّ أخذ السُّلطان الحلقة ورمى النشاب، وجعل لمن أصاب من الأمراء فرسًا من خيله الخاص.

فاستمرّ ذلك أيَّامًا تارة يكون اللّعب فيها بالرُّمح وتارة بالنشاب وتارة بالدبابيس (آلة كالبلطة) وفرق السُّلطان فيها من الخيل والبغالطق (قمصان تلبس أسفل العباءات لا أكمام لها) جملة. وساق السُّلطان يومًا عادته في اللّعب وسلَّ سيفه فسلَّت مماليكه سيوفها، وحمل هو ومماليكه الخواصّ حملة وحمل واحد واصطدموا فكان منظرًا مهولًا، وأطلق السُّلطان من التشاريف ما عم به سائر من في خدمته: من ملك وأمير ووزير ومقدمي الحلقة والبحرية ومقدمي المماليك والمفردية ومقدمي البيوتات السُّلطانيَّة وكل صاحب شغل وجميع الكتاب والقضاة وسائر أرباب الوظائف).

أما عن عطايا السلاطين المماليك في رمضان فحدث ولا حرج فالسلطان برقوق  اعتاد أن يذبح كل ليلة 25 بقرة ليتصدق بلحومها، فضلًا عن توزيع الخبز على أهل المساجد والروابط والسجون، بحيث يحصل كلَّ فرد علي قدر معين هو رطل لحم مطبوخ وثلاثة أرغفة، ويذكر المقريزي أن الظاهر بيبرس كان «يُطعم كل ليلة من ليالي شهر رمضان خمسة آلاف نفس» كما شهد عصر قلاوون ألوانا من  التوسعة على العلماء فكانت تصرف لهم رواتب إضافية في شهر رمضان، وقد وصل الكرم في توزيع السكر إلى أقصى مداه حيث بلغت كمية السكر المنصرفة لصنع الحلوى (مثل القطايف والكنافة) في عصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون عام 745هـ 3 آلاف قنطار قيمتها 30 ألف دينار منها 60 قنطارًا في كل يوم من أيام رمضان.

ومن أغرب ما يتعلق بالعطايا ما هم به السلطان «الأشرف شعبان» والذي فكر بالتوسعة علي الفقراء ليكتشف أن الخزينة السلطانية بغرفة نومه قد سرق منها 20 ألفًا من الدنانير الذهبية، وبالطبع دارت الشبهات حول خاصة قصره ليجمع خدمه أن السارقة هي محظيته «خوند سوار باي». وعلى الرغم من ضربها بالسياط فلم تعترف وخرجت من السجن بعد سنوات عدة عجوزًا فاقدة السمع!

أما السلطان الغوري فقد كان الأبخل بين كل هؤلاء السلاطين وكانت حينما ترفع له قضايا تستلزم الدعم المالي كان رد السلطان على المشايخ قائلًا: الخزائن فارغة يا مشايخ، والجند طلباتهم كثير، فيعيد المشايخ الكرة لاستعطاف السلطان فالناس مساكين وعيالهم كثير فيفحمهم السلطان بعباراته البليغة العيال لا يملكون إلا البكاء، ولكن الجند يلعبون بالسيوف والمكاحل يا مشايخ!

وإلى هنا نختتم رحلتنا عبر ليالي رمضان المشهودة في التاريخ المملوكي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رمضان

المصادر

عرض التعليقات