رمضان في رابعة غير رمضان فيما سواها، لم تكن أجواؤه يماثلها غيرها في أي بقعة من بقاع الأرض! شهد بذلك الملايين الذين ترددوا عليها. كانت نفحات إيمانية تغمر كل شبر فيها، بل وحولها، وفي الطرق المؤدية إليها! زحام هائل على الوضوء، بل بحث مرهق عن الحمامات في مساحة الحي بأكمله! كانت فرحة تغمر الكيان كله حين تجد حماما يقف أمامه أقل من عشرة أحرار!

الأذكار تصل إلى آذانك من حولك في كل خطوة، آيات الذكر الحكيم تشدو بها ألسنة شريفة في كل مكان، متعهدو تجهيز الوجبات يعملون كخلايا نحل متقدة، يقف العشرات في الطرقات يحملون تمرات يتسابقون بها في إفطار صائمين بعدت عنهم وقت الأذان خيامهم، حتى إذا رفع الأذان امتلأت الطرقات والخيام فلا سبيل للمرور إلا بتخطي الرقاب أو عبر ممرات ضيقة صممها مسؤولوا المخيم التربوي المليوني هذا!

تركَنا قبل أول أيام رمضان بعض الأحبة، بزعم وجوب الإفطار بين الأهل أول يوم، ثم فوجئنا بهم بيننا قبل الإفطار في الميدان! لم يتمكنوا من البقاء بين أهليهم! أما نحن فقد اتخذنا قرارنا مسبقا، فاصطحبنا أهلنا وأبناءنا معنا، مؤمنين أنه لا رمضان إلا في رابعة!!! كان الأسفلت تحت جباهنا في الصلوات وسط الميدان أحب إلينا وأنعم وألين من ناعم الفرش في مساجدنا وبيوتنا!

كانت الخواطر الرمضانية في الخيام والطرقات أكثر من رائعة، صورت أكثر من ٨٠٠ صورة وسجلت أكثر من ١٥٠ فيديو معظمها خواطر عن الميدان أو بعنوان “ردك على تهديد الحكومة بفض الميدان” أو “في ذكرى غزوة بدر في رابعة العدوية” والتي سبقت مجزرة المنصة بساعات قليلة، لكنني في كلا المجزرتين (الحرس والمنصة) لم أملك الشجاعة لتسجيل ذلك مع الثوار في الميدان، وما أشد ندمي على ذلك الآن! كلما شاهدت الصور أو الفيديوهات – والتي بعضها لشهداء أعرفهم – أجد نفسي أتساءل: ترى هل صاحب هذه الصورة أو الفيديو شهيد أم معتقل أم مطارد أم ثائر في الشارع ينتظر مصيره؟ وما زال التابلت الذي كنت أصور به يحمل عبق المكان ورائحته العطرة! ولست أعدل به كنوز الدنيا كلها لمكانته في قلبي!

كانت صلاة التراويح وكذلك التهجد من أروع ما عشت في حياتي، لم أجد تلك الروحانية التي تملأ أجواء الميدان في مكان غيره أبدا، كان الدعاء والتأمين يهزان القلوب هزا ترتجف له الجوارح والأركان، ولما فاتنا تهجد ليلة مسيرتنا إلى المطار – والتي استغرقت ما بين صلاة التراويح وحتى ما بعد الفجر – لم يعوضنا عن متعتنا تلك إلا نفحات ولفحات الرحلة، حيث لم نسترح طوال تلك المدة إلا بضع دقائق أمام “عربية الكشري” لتناول السحور، وهجمات البلطجية في مؤخرة المسيرة، بينما كان إطلاق النار الحي على مقدمتها عند العودة، خاصة أمام قسم أول مدينة نصر، ذلك القسم شديد الإجرام!

لا أنسى أبدا هتافات الأخوات في فترة الضحى، كنا نرقد في إعياء شديد بعد جهد وعناء يبدآن عند الاستعداد للوضوء لصلاة المغرب، مرورا بالعشاء والتراويح وقراءة الورد القرآني وفعاليات المنصة، ووصولا إلى إعداد السحور والتهجد والفجر والأذكار حتى الشروق، فإذا ما ارتمت الأجساد على الأسفلت مشتاقة لتمديد وارتخاء عضلات تعبت وكابدت طوال ساعات، وجدنا الأخوات يسرن في الطرقات قائلات في صوت يوقظ الميت لا النائم، “الستات في الميدان، والرجالة في الخيام!”، فيستجيب البعض وينهض ليملأ الميدان، ويضعف آخرون، لا لضعف همة، ولكن لضعف بدن أوشك على الهلاك تعبا ونصبا!

وكان في الميدان من لن أنسى روحانيتهم وارتباطهم بالميدان ما فاق حبهم وارتباطهم لزوجاتهم وأبنائهم، كان من هؤلاء من رأيت فيهم ذلك رأي العين، كنا نتوسل إليهم أن يعودوا إلى البيت فيفطرون يوما مع أهلهم، يأبون ويرفضون وينظرون إلينا نظرة اللائم المعاتب، كأننا نطلب منهم تنازلا أو ضعفا! وأذكر أحدهم حين رضخ لطلبي وعاد لبيته ليفطر مع أهله، فإذا ما كان على مائدة الإفطار في بيته وكنت ضيفه وكل أولادي، وجدته غير مرتاح للبعد عن الميدان، لم يرتح باله حتى اتفقنا على العودة بعد العشاء، وقد كان!

من المواقف التي لا تنسى، والتي تعود بنا في هذه الأجواء إلى عهد الصحابة والسلف الصالح، موقف بعد مجزرة المنصة مباشرة. استمر إطلاق النار حتى الصباح، كنا في وسط الميدان، وكانت تعليمات المنصة واضحة: لا يترك أحد مكانه، لا يذهب أحد إلى المنصة حتى لا تكون ثغرة عظيمة بإثارة الفوضى! ولأننا تربينا على السمع والطاعة، بقى كل في مكانه. لكن كان معنا من ليس منا، لم ينفذ التكليف، ذهب إلى مسرح الجريمة النكراء، لكنه عاد إلينا بغير الوجه الذي ذهب به! عاد باكيا منتحبا!

عاد يتأسف ويتحسر أن فاتته الشهادة على ثوان معدودات! أخذ ببكائه يصيح: لماذا؟ لماذا تفوتني الرصاصة؟ أحسست بها بجوار خدي وكأنها لمست أذني، فإذا بي أنظر خلفي مباشرة لأراها بأم عيني تستقر في رأس من كان واقفا خلفي! لماذا تتجنبني أنا لتذهب إليه؟ وأخذ في البكاء والنحيب كأنما فاتته زينة الدنيا وزخرفها وبهرجها!!! خاطبه صاحبه من دوننا: مثلي ومثلك ليس أهلا للشهادة! إن الله يصطفي من بيننا من يستحق هذا الشرف، ونحن لسنا من هؤلاء في شئ! رددت عليهما لأهدئ من روعهما، وأكدت عليهما أن كلا منهما يستطيع أن يكون شهيدا بنيته وعزمه ودعائه وإلحاحه بصدق على ربه!

كان رمضان لنا طوق نجاة، كلما ضعفت النفس أو فترت، جددت عبادة فيها الدماء من جديد! وكلما أظلمت الدنيا في وجوهنا أنارت لنا أخرى طريقنا! كانت العبادات تغذينا وتقوينا واحدة تلو الأخرى! كان مخيما تربويا بكل معنى الكلمة! قضيت فيه حتى ليلة السابع والعشرين، ولم تطاوعني نفسي البقاء في البيت لأستقبل المودعين – حيث كان سفري في يوم ٢٧ رمضان صباحا – فأصررت أن يكون آخر عهدي بمصر هو الميدان! فاصطحبت زوجتي وأبنائي وقضينا “آخر ساعات” لي قبل سفري في رابعة العدوية!

وكان الوداع أشبه ما يكون بوداع الأب لأبنائه. كنت أودع الشباب كأنما أودع فلذات كبدي أو أغلى منهم. وكان الكثيرون منهم يعاتبونني على السفر قبل الاحتفال في رابعة بعودة الرئيس الشرعي بيننا في الميدان. كنت أصبر نفسي على تفاخرهم هذا بأنني على الدرب سائر وأخدم دعوتي فوق كل بقعة من الأرض بما أستطيع. وما زال الأمل يملؤني والتفاؤل يغمرني والثقة تحييني. سيحقق الله وعده عاجلا أو آجلًاً. اللهم أرنا نصرك بأعيننا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد