بين قيمة رمضان الإنسانية في بلاد العرب وصيام رمضان في بلدان المهجر مسافة فرق شاسعة، تحمل من الاختلافات ما يجعل للشهر الفضيل أشكالًا مختلفة. والاختلاف هنا يطال الشكل والصيغة رغم أنّه لا يلمس طبعًا جوهر الركن الديني.

في بلاد العرب تتأقلم كل التفاصيل لتجعل من الشهر الفضيل لحظات متعة حقيقية. رمضان العربي شهر مميز يمنح للجميع فرصة قضاء شهر خاص تحزن النفوس عند وداعه. تتغير مواقيت العمل متفهمة نقص طاقة الصائم ما بعد منتصف النهار، تلبس البرامج التلفزية حلة خاصة تجعل رمضان شهر إبداع فني محلي عائلي الشكل، يتغير شكل الحياة فيصبح الليل نهارًا والنهار استعدادًا له. الشقّ الإيماني حاضر بقوة، فأصوات القراءة القرآنية المصاحبة لصلاة التراويح تصل الجميع، ووحدها مجاهدة الفرد لنفسه تحسم درجة صيام روحه. وربما لا يعرف الكثيرون أن لرمضان سياحًا أجانب غير مسلمين يعشقون أجواءه الليلية فيغتنمون كلّ فرصة لزيارة بلاد المسلمين خلاله. 

بعيدًا عن أراضي رمضان، يصبح الشهر الفضيل تحديًا إيمانيًا حقيقيًا. فالحياة تستمر على وضعها كما هي ووحدك مجبر على تغيير شكل حياتك. أن تجد التوازن في برنامج يومك بين عمل وصيام وقيام ونوم وسحور. أن تتعايش مع وحدة تجربتك دون أن تتأثر بمجرى الحياة الطبيعي الذي ينهي أنشطة يوم الغير قبل أن تحصل على أولى وجبات يومك. رمضان في بلاد غير مسلمة هو قوة تحمل قاسية في العمل حتى لا يظهر الفرق في الإنتاج بينك وبين غيرك، مع أنه حقيقي لا يمكن إخفاءه، وهم طبعًا غير مطالبين بتفهم دوافعك فهم بالأساس غير قادرين على فهم حكمة الانقطاع عن الأكل والشرب طيلة يوم كامل. رمضان تذكرة سنوية بحقيقة الاختلاف التي تجمع كلّ مهاجر بالثقافة المحليّة لمهجره. شهر رمضان هو فرصة أيضًا لمن يرون ثقافة المهاجرين خطرًا على هويتهم المحلية ليمارسوا حياتهم في هدوء عربي يفرضه الاختلاف في زمن الحياة اليومي.

الجاليات العربية موجودة في كل مكان، ورمضان هو فرصة للتواصل فيما بينها في إطار المشترك من هويتها. أماكن بعينها في كل مدن فرنسا مثلا تتحول لأسواق رمضانية قبل الإفطار. المساجد تتحول إلى ملتقيات تواصل تصنع مشاهد التضامن بإفطاراتها الجماعية. والمقاهي العربية تغير مواقيتها بكرم من السلطات لتوافق شكل حياة الصائمين. المساجد محورية الدّور في منح الروح للشهر الفضيل. فهي تعمل بجهد طيلة رمضان لتنظيم أنشطة دينية وثقافية تربط المسلمين بالأجواء الإيمانية للصيام، وهي مشكورة تشرف على عمليات الإفطار الجماعي التي يميزّها الكرم والتّضامن، فيجد الطلبة وضعاف الحال أسرة مسجد تحتضنهم، وتتسابق الأسر للظفر بمفطرين تدعوهم لبيوتها عند صلاة المغرب. وتستمر المشاهد هذه لتعظم في العشر الأواخر، حيث يسمح بالاعتكاف في الكثير من المساجد بموافقة السلطات. وتحظى عملية جمع وتوزيع زكاة الفطر على المحتاجين بمجهود تنظيمي عظيم يدلّ على أن روح الأخوة والتكافل حاضرة بقوة حتى لو بعيدًا عن ديار رمضان الأصلية.

رمضان المهجر غربة حقيقية توصل لحقيقة أن التلاحم بين الجاليات العربية والمسلمة قادرة على جعل حياتها أكثر بساطة وسعادة. وربما هذه الوضع الذي يمثل حاجة ثقافية لمعظم من قرر الحفاظ على أصوله الثقافية من المهاجرين، وغيرهم ممن باتوا يرون الممارسة الدينية رجعية ينبغي تجاوزها كثر، هو ما يخلق الخوف في نفوس بلدان الاستقبال التي باتت ترى في ذلك تموقعًا على الذّات، ودليلًا على صعوبة الاندماج. وهذا يحيلنا على إشكالية أساسية وجوهرية تعيشها أوروبا حاليًّا، هل الثّقافة العربية والإسلامية قادرة على أن تصبح مكونًا لثقافة أخرى؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد