ما الذي لم نُفسده أو يفسِدنا في دنيانا تلك؟ ما بين حزمة من المسلسلات والبرامج الرمضانية المحرِّضة على كل ما يمكن أن يُسلمَك إلى فساد ذوقٍ أو إهدار قيمٍ تحت مسميات مختلفة، وسيلٍ منهمرٍ من الإعلانات التي تمتص دماءنا وتثير أعصابنا، تُهدَى إلينا بين لقطة وأخرى؛ وما ذلك عنا وعنكم ببعيد؛ فعلى الجانب الآخر من قنوات موازية، ترى إعلانات المنتجعات العقارية الفخمة والقصور الشامخات للصفوة في المدن الجديدة، وواقعًا معيشيًا مأزومًا في العشوائيات والحواري المصرية والقرى الفقيرة هنا وهناك؛ انتهاءً إلى إعلانات مثيرة للأزمات الدولية: سياسية واقتصادية، كتلك التي نتجت عن إعلان مياه ملوثة في إحدى قرى الصعيد، توقفت على إثرها إحدى الدول الشقيقة عن استيراد منتجاتنا الزراعية بدعوى تلوثها (هي كمان)!

وثالثة الأثافي، كما يقول العرب، ما يكشف عنه برنامج رامز اليومي، الذي بدأ بحلقة مع الراقصة المصرية فيفي عبده لم يصلنا منها إلا «تيييت» ممتدة لم يقطعها إلا فواصل إعلانية قبيحة، وانتهى في سابع أيامه مع النجم الهندي الشهير شاروخان الذي لم يفعل شيئًا سوى توجيه الشتائم والسباب لمقدم البرنامج المجنون، على حد وصف المستشار مرتضى منصور، فيوتسل إليه، ويستعطفه، ويتعلق بقدميه راجيًا العفو، ثم يتقاضى النجم الهندي 460000 دولار، أي ما يربو على 8 ملايين جنيه مصري، يا مؤمن! مدفوعة من مُنتجٍ سفيه، جمعها من أموال معلنين يمتصون دماءنا، ثم يغادر النجم الهندي غاضبًا وسط حرسه الخاص. وبين هذا وذاك يا سيدي الفاضل، إذا إعلان مستشفى مرضى السرطان يستعطفك أن تتكرم بخمسة جنيهات تبرعًا، فلا تكن من الممترين.

والله ما كنت أود الحديث عما قدمتُ به مقالي هذا، لا شكلًا ولا موضوعًا، لا سيما أنني لست من المتابعين إلا لِمامًا، ولا حرج إذا تابعت، إنما استفزني الحال حتى وجدتني أُساقُ إلى ما قدمتُ. وكنت أود، لفكرة أوحت لي بها الصديقة التربوية جانسيت أستاذ اللغة في لبنان، أن أحدثكم عن رمضانياتنا في الصعيد الذي أعرفه، وعن مفهوم التكافل الاجتماعي في القرى كما تعرفونه أنتم أيضًا، والذي لم يعد يعرفه أهل القرى في زماننا هذا. كُنَّا، وليس الحال مقصورًا على رمضان بالطبع، إنما هو في رمضان أكثر ظهورًا، أقول: كنا نخرج إلى ساحة العائلة (الديوان) بموائد رمضان قبيل أذان المغرب، ونرصها مغطاة وقد تشابه ما عليها من طعام بسيط في انتظار ضيوف الرحمن من عابري السبيل، أو ضيوف قمنا بدعوتهم واستضافتهم، غير أن ذلك الضيف خاصتي نادرًا ما يجلس إلى مائدتي، بل يكون في ضيافة ابن عم لي سبق غيره في الحَلِف ألا يأكل إلا معه، وإذا كان ثمة ضيوف فإنهم يتوزعون على موائد العائلة أجمعين. وإن ننسَ لا ننس ما كنا نحمله، ونحن صبية يومئذ، في أطباقنا المغطاة، ترانا في غدو ورواح بين بيوت العائلة والجيران نتبادل تلك الأطباق بما لذَّ وطاب، حتى ندَّعي أنه لا يفوتنا مما قد طبخ شيء.

كنا ننتهي من صلاة التراويح سريعًا، كما هو حال المساجد تخفيفًا في القرى، ثم نذهب إلى ديوان العائلة المرموقة إلى يومنا هذا، يجلس الجميع يومئذ بعضه إلى بعض، نستمع إلى آي القرآن الكريم تتلى، ثم إلى المدائح النبوية وبعضٍ من الموعظة الحسنة، وكثيرٍ من النقاشات الفقهية بين المشايخ والأعمام، ثم نتحلَّقُ حول السيرة الهلالية عبر أثير الإذاعة المصرية، عمي جابر أبو حسين والأبنودي رحمهما الله، ثم نتزاور مع الأصدقاء في الدواوين الأخرى حتى يأتي السحور. لكن الأمر الذي لم تمحه الذاكرة، ولم أعرف له سببًا إلى يومنا هذا، هو نشوب معركة صبيانية يومية قبيل المغرب، عند الجامع الكبير للبلدة الهادئة بطبيعتها، هذه المعركة تشد فيها المقاليع (جمع مِقلاع) وترص الأحجار الصغيرة لزوم ما يلزم، ويفصل بين الأحزاب المتقاتلة، تلك البِركةُ الرابضة عند الجامع منذ عهد الخليفة الثاني عمر، حتى إذا أذَّنَ المغرب أُذِنَ للذين يتقاتلون أن ينصرفوا، وقد بَطحَ أحدنا غريمه على الجانب الآخر، لسبب غير معلوم، ويكأننا نستبق علامات آخر الزمان، كما هو الحال الآن، يُقاتل بعضُنا بعضًا، فيقتله، ولا يعرف القاتل لمَ قتلَ أخاه، ولا يدري المقتول بأي ذنبٍ قُتِل! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

عمومًا، رمضان كريم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد