نعم بهذه الأجواء نستطيع استرجاع ذكريات رمضان زمان، وتعويد أطفالنا على حب الطاعة، والفرحة بقدوم شهر القرآن.

نعم نستطيع استرجاع رمضان زمان، ونشعر بنفس الدفء والحنين بتجمعنا مرة أخرى على طاولة واحدة، دون أي مشتتات؛ فرمضان زمان يعني اللمة الحلوة، يعني المسلسلات الدينية الهادفة، والدرامية بعدد لا يزيد عن خمسة مسلسلات في جميع القنوات الفضائية، يعني الشيخ الشعراوي، وقرآن المغرب بصوت الشيخ محمد رفعت، يعني عمو فؤاد، وبوجي وطمطم، وبكار، يعني المقالب البسيطة، والضحكة من القلب، يعني صاجات الكحك والبسكويت، التي تخرج من البيوت المصرية الأصيلة في آخر يومين في الشهر، يعني ويعني ويعني… سطور ومقالات تكتب عن مذاق وطعم ولون رمضان زمان، الذي اختلف كليًّا عن رمضان الآن، فروحانيات الشهر الفضيل كانت في الماضي أقوى بكثير، ويرجع ذلك لعدة أسباب:

1- زحمة المسلسلات: التي تدعو معظمها للرذيلة، وتحث على الفاحشة، ناهيك عن السجائر، والتي أصبحت جزءًا ﻻ يتجزأ من نسيج أي عمل درامي، وزجاجات الخمر، ولعب القمار، وظهور الممثلات بملابس تؤذي نظر المشاهد، وﻻ تراعي فضل وحرمة الشهر المبارك، حتى وجدنا أكثر من مسلسل مرفق بعبارة «+12، +16، +18»، ويكأنه مبرر لما يحتويه هذا المسلسل من مشاهد غير لائقة، كيف نجد مثل هذه الجمل؟ ولو اعتبرنا أن الشهر الفضيل يحب اللمة، وأن هذه المسلسلات ستساعدنا على التجمع حولها، فكيف بهذه النوعية من المسلسلات نتجمع بعد أن تفككت هذه اللمة؟ وأصبح رمضان شهر المتاجرة والمنافسة على أفضل مسلسل وأجمد برنامج.

إذ في الأصل رمضان هدية من الرحمن لعباده، فهو شهر صفدت فيه الشياطين، شهر به ليلة خير من ألف شهر، شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النيران. فعن ‏أبي هريرة -‏رضي الله عنه- ‏أن رسول الله ‏ ‏-صلى الله عليه وسلم- ‏ ‏قال: «إِذا جَاءَ رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجنَّةِ، وغُلِّقَت أَبْوَابُ النَّارِ، وصُفِّدتِ الشياطِينُ».

2- برامج المقالب: والتي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من نسيج خطة القنوات الفضائية، في رمضان، في السنوات القليلة الماضية؛ حيث الضحك والسخرية من لحظات ضعف وخوف وانكسار، حتى ولو كانت «تمثيلًا»، يعيشها الفنان أمام الكاميرات.

3- برامج الطبخ: برامج الطبخ ملأت الفضائيات بشكل مبالغ فيه، وكل برنامج يتفنن ليقدم أفضل ما لديه، ويكأن رمضان شهر الأكل فقط.

4- السوشيال ميديا: اللمة موجودة؛ لأنه شهر صيام يجتمع فيه الناس على الأقل وقت الإفطار، لكن ما بعد الإفطار، حيث من المفترض أن «اللمة تحلى» نجد كل شخص على حدة، كل شخص ممسك بهاتفه الخلوي متصلًا بعالم آخر، ربما أصلًا لم ينفصل عنه، فنراه «لايف» من على مائدة الإفطار مثلًا، فيكون في اللمة بجسده فقط، تاركًا روحه وعقله وباقي جوارحه مع هذا العالم الافتراضي.

5- سرعة الأيام: رمضان بطبعه أيام معدودات، لكنها أصبحت اليوم ساعات معدودات، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، فَتَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَيَكُونَ الشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَتَكُونَ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَيَكُونَ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونَ السَّاعَةُ كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَةِ». وهذا بالطبع نشعر به، فلم نجد تلك البركة التي كانت في الوقت، فسرعان ما نرى هلال رمضان لتجري بنا الأيام ونتفاجأ بتحضيرات العيد من كحك وبسكويت، وحملات النظافة التي تجريها معظم ربات البيوت استعدادًا لاستقبال العيد.

لكن.. بأنفسنا نستطيع استرجاع روحانيات رمضان زمان، نعم في اعتقادي يستطيع كل شخص استرجاع أجواء رمضان زمان بروحانياته، وبلمّة العائلة من جديد بدون إنترنت، من خلال عدة طرق مع استحضار نية لكل عمل نفعله، ولا نتخذ التكنولوجيا شماعة تبرر لنا ما نفعله، وتسرق منا الشهر الفضيل، الذي ننتظره من العام للعام، ونتمنى أن يعتق الله رقابنا من النار فيه، وأن يعيده علينا أعوامًا عديدة، وهذه الطرق تتلخص في الآتي:

1- نتجنب متابعة المسلسلات، والبرامج غير الهادفة.

2- مقاطعة الإنترنت: نعم نستطيع إغلاق الراوتر، وفصل الإنترنت عن هواتفنا وتحديدًا بالتجمعات العائلية؛ للاستمتاع بالجو العائلي، وروح اللمة، وتشغيله وإعادة فتحه عند اللزوم.

3- العزومات: العزومات ليست مضيعة للوقت، إذا تم استغلالها بشكل صحيح، واستحضار النية مع كل عزومة. فعن زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ -رضي الله تعالى عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا» (الترمذي وابن ماجة وصححه الألباني).

4- استحضار العزيمة: قاوم خمولك، والتخمة التي قد تصيبك بعد الإفطار، عن طريق الاعتدال في الطعام، وعدم التهام الأكل، واستحضر عزيمتك في الفوز بالشهر الفضيل، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله تعالى عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه» (البخاري ومسلم).

5- الصلاة في المسجد: احرص على صلاة الفروض الخمسة بالجامع، وفي وقت عملك لا تنس الجماعة مع أصدقائك بالعمل، إذ تعذر عليك الخروج لتأدية الفروض بالمسجد .فعن أبي ذر -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّه مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» (صححه الألباني).

6- لا تتحجج بالوقت: نعم لا تتحجج بمرور الوقت، وحب النوم، وتستسلم للكسل، احرص على صلاة النوافل بالبيت، وصلاة القيام والتهجد بالمسجد، والبحث عن الصلاة خلف إمام ذي صوت يقشعر له بدنك، يجعلك تتلذذ بكلام الله، وتتمنى عدم انتهاء وقت الصلاة.

فعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذا جَاءَ رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجنَّةِ، وغُلِّقَت أَبْوَابُ النَّارِ، وصُفِّدتِ الشياطِينُ». (متفق عليه).

7- صلة الأرحام: احرص على زيارة أقاربك، وصل رحمك في هذه الأيام، فصلة الرحم تزيد العمر، وتبارك في الرزق. فعن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».

8- اختم القرآن: احرص على ختم القرآن أكثر من مرة، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ} (البقرة:186).

حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:«مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» (رواه الترمذي).

وروى أبو أمامة الباهلي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «اقْرَؤوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ اقْرَؤوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَؤوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» (رواه مسلم).

9- الصدقة: تذوق حلاوة الصدقة، وأن تعطي محتاجًا دق باب منزلك فجأة متعشمًا في أي شيء يخرج من ذمتك، «أعلم أن هناك من هم أولى بهذه الصدقة»، لكن شيئًا قليلًا منك سيجبر خاطره، فلا تجعل نفسك حكمًا على المحتاجين، وتاركي البيوت، وتحديدًا بالشهر الفضيل الذي يمثل لهم «موسم رزق وخير»؛ حيث يجعلنا الله سببًا في مساعدتهم، أو على الأقل إدخال الفرحة على قلوبهم.

فقد أخرج الترمذي من حديث أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أفضل الصدقة صدقة في رمضان».

10- التسبيح، والاستغفار، والصلاة على الحبيب.

وكل عمل صالح يقربك إلى الله، لا تتردد في فعله في شهر الخير والبركات. ففي رواية مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ».

وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-: «ما مِن أحدٍ يسلِّمُ عليَّ إلَّا ردَّ اللَّهُ عليَّ روحي حتَّى أردَّ علَيهِ السَّلامَ» (أبي داود، وصححه الألباني في صحيح الجامع).

11- اغتنام ليلة القدر: عن أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله تعالى عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (البخاري ومسلم)؛ لذلك يجب علينا اغتنام هذه الليلة، وهي في العشر الأواخر من رمضان للحديث الصحيح: «الْتمِسوها في العَشرِ الأواخرِ».

أطفالنا في رمضان

أهم شيء عودوا أطفالكم على مثل هذه الأجواء التي حرموا منها؛ حيث بإمكان الآباء والأمهات أن يزرعوا في نفوس أطفالهم حب الله -عز وجل- وطاعته، المتمثلة في أداء أوامره، وتجنب نواهيه، بطرق بسيطة وسهلة تجعل الطفل يَقدِم على الطاعة بنفسه، عن حب لا عن خوف.

أمثلة بسيطة

– في الصلاة: مثلًا أن تأخذ طفلك معك وأنت ذاهب للمسجد، وبعد الصلاة تجوّل معه بالشوارع على سبيل الفسحة الصغيرة.

في الصوم: أن تكافئه بشراء لعبة تمناها، أو إعطائه أموالًا لشراء ما يحب، مع تبسيط شرح المغزى والهدف من الصوم؛ حيث الشعور بالفقير الجائع.

– في صلة الأرحام: أن تأخذه معك في الزيارات العائلية، وتشرح له سبب زيارتك وأنت في الطريق.

– في الصدقة: يمكنكم أيها الآباء تعويد أطفالكم على العطاء؛ من خلال إعطاء الطفل مبلغًا بسيطًا، وأن يعطيه هو بنفسه للفقير والمحتاج، وغيرها من الأساليب التي تحبب الطفل في الطاعة، وتجعله يتمنى أن يكون العام كله رمضان.

زينة رمضان

وأخيرًا.. نستطيع أيضًا خلق جو مختلف، ومتميز في بيوتنا، مثلما تفعل الشوارع والمحال التي تتزين خصيصًا في الشهر الكريم، بأقمشة الخيامية بألوانها المبهجة، والفوانيس مختلفة التصاميم، والهلال والنجمة ذات الألوان المفرحة، والمصابيح الملونة التي تضيء الشوارع حتى الساعات الأولى من الصباح، وذلك من خلال الآت :

– وضع فانوس كبير في مدخل العمارة التي تسكنها.

تعليق زينة رمضان داخل شقتك.

شراء قماش الخيامية الشهير، وأن تستحضر من خلاله جميع الأجواء الرمضانية بالمكان الذي تسكن بداخله، ويا حبذا إذا قامت كل أم بتصنيع وعمل زينة رمضان بصحبة أولادها، مع ذكر بعض المعلومات البسيطة عن فضائل الشهر الكريم، وماذا يقول عند الإفطار، والوقت المناسب للتسحّر، وفضل الدعاء والتضرع إلى الله، وماذا لو استطاع حفظ سورة قصيرة، حيث الهدايا التي ستكون في انتظاره، وغيرها من الطاعات المستحب فعلها في شهر القرآن.

يستطيع إذًا كل إنسان لديه إرادة قوية، وبمجهود ليس بالقليل، الفرحة بالأجواء الرمضانية في أي مكان، وفي أي زمان، وفي نفس الوقت الفوز بالشهر الكريم واغتنامه، إذا لم يستسلم لكل المشتتات التي تضيع فرحة لمة العائلة، والأهل، والأحباب، والملهيات التي تبعده عن روحانيات، وجمال وعظم هذا الشهر المبارك، وبالعزيمة والإرادة سنغتنم جميعًا هذه الأيام المعدودات، غير واضعين في الاعتبار فكرة رمضان زمان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك