يزورنا شهر «رمضان» الكريم هذا العام ومعه موافقة أمنية بطقوس وعادات تم تأميمها من قبل السلطات الحاكمة للحفاظ على حالة الخمول والتغيب التي دخلها الشعب بعد ثورة 25 يناير 2011، فتحت مدارك الوعي والبصيرة له لكن سرعان ما ضاع كل شيء، بيانات من الأزهر حول قواعد الصلاة والنواهي التي تصل بصاحبها إلى السجن، لا يهم هنا إذا كان الخطأ ربانيًّا يصل بصاحبه إلى النار، لم يعد يهم المؤسسة الدينية هذا الأمر، المهم هو كيف نُشرع للنظام القائم قواعد ثابتة وقوية وخصوصًا تلك القواعد الدينية التي باطنها يشرع للظلم والاحتقان والطائفية، هذا فقط باختصار المشهد الديني الذي بات يسيطر عليه الأزهر، والرديكاليون على جانبي المشهد للتذكير أن الدعوة للمظلوم والدعوة ضد الظالم لا تجوز في هذا الشهر الكريم، مُبطنين كلامهم ببحور من الأحاديث والآيات التي أخرجوها من سياقها للاستناد إليها ضد التيار المدني الذي صار يواجه تهم الزندقة وازدراء الأديان أكثر من أي وقت مضى. ولا أريد أن أزيد الحديث أكثر عن المناخ الديني في مصر الذي يسوده النفاق والفوضى.

وانتقالًا إلى الحدث الأهم في مجريات شهر «رمضان»، وهو ما يتم إنتاجه من برامج ومسلسلات، ولا يخفى على أحد إعادة توزيع الأدوار في الإعلام وشركات الإنتاج في مصر، حيث بدأت الأذرع الأمنية للنظام أخذ أدوار أكثر فاعلية وحزم تجاه رجالاتها في الإعلام، حين شعرت أن الأمور بدأت تخرج عن السيطرة في بعض الأحيان، فجاءت النظرة الأولى على المنتج الذي جاء بالطبع خاليًا تمامًا من أي محتوى ديني يؤخذ على محمل الجد كعلم ينقل للعامة، أو نستطيع حتى مناقشة حلقة دينية من حيث تطويرها للمجتمع، أو إضافة قيمة في علوم الإنسانية من خلال دراسات دينية جادة، لكن ما أتمناه هو خيال، وبقي الاعتماد على برامج التوك شو الديني ذات الطابع الكوميدي حتى لا ننسى أننا شعب متدين بطبعه بكل تأكيد.

وجاءت المسلسلات عبارة عن سيناريوهات مكتوبة داخل أروقة أجهزة الأمن، تتحدث عن معاناة رجال الأمن ضد «أهل الشر»، ودفاعهم المستميت الدائم عن الحق والخير والجمال، وجاءت المحاكم على أفضل حال، والقضاء متعاون مع المحامين، وحتى البلطجية جعلوا لهم المشهد لا يخلو من حب الداخلية والتعاون معها من أجل الوطن!

هذا بالطبع مجرد نظرة أولية لما يتم الإعلان عن إذاعته، لكن لا أظن أن انتظارنا لآخر الشهر الكريم سيغير من رأينا.

وبالذهاب إلى أرض الواقع جاء رمضان بغلاء في الأسعار والفواتير والكفالات للمعتقلين على حد سواء، فالفقير تم تحييده هذا العام كما سبق في أعوام كثيرة ماضية لا جديد، ما هو جديد هذه المرة هي ادعاءات الحكومة حول توفر كل شيء، وأن الإنجازات للنظام الحالي قد أثمرت عن رفاهية المواطن الذي يصوره إعلام الدولة فقط، أو إعلامهم الخاص بعد دفع أموال لمن يتم التصوير معهم ليقولوا وصلة من المدح الصوفي في الرئاسة، وفي الحكومة، وبالتأكيد لا ينسون الدعاء للداخلية والقوات المسلحة.

على صعيد آخر من إبهار النظام العسكري هو دخول جهاز «المخابرات» في لعبة كراتين الغذاء للفقراء، للحفاظ على ولائهم للنظام بعد الأزمات الاقتصادية الخانقة، وسياسات الفساد والرشاوي المجتمعية التي يدفعها النظام لفئات من أصحاب النفوذ للوقوف بجانبه؛ للاستمرار في الحكم وصلت إلى حد بيع الأرض من أجل استمرار الدفع والمساندة في الظلم والقمع، وليس هناك مجلس شعب بالتأكيد ليسأل لماذا يتدخل جهاز سيادي للمعلومات في أمور مدنية تتكفل بها أجهزة الدولة المعنية بتوفير حياة ملائمة لكل المواطنين، دون النظر هل كان مؤيدًا أم معارضًا للنظام الحاكم، لكن أهلًا بنا جميعًا في دول العسكر في العالم الثالث.

وفي النهاية على صعيد فردي في شهر «رمضان» يجب التزام الحد الأدنى من المصارحة، والابتعاد عن النفاق في أداء عباداتك، وكمواطن حاول أن تفتح صفحة للمصالحة مع ذاتك، ومع جميع مكونات المجتمع الذي يتصارع في دائرة مغلقة من العنف اللفظي والفكري، ستؤدي بنا جميعًا إلى طريق أصعب وأمر من هذا الذي وصلنا إليه من وضع بأس، وغير صحي لأي حياة آدمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رمضان
عرض التعليقات
تحميل المزيد