يدق باب السنة مرة واحدة فقط، نفتح أعيننا رافعين أبصارنا إلى الأفق، نترقب هلاله بلهفة المحبين، زائر ننتظره بفرح، منذ علمنا أنه رابع أركان الإسلام، وفي السن الذي فشلنا في إتمام صيام اليوم كاملًا، حين جلسنا على مائدة الإفطار بفخر واعتزاز، ورددنا دعاء الإفطار خلف الوالد بتلعثم واستعجال، ثم حملنا سجادة الصلاة متجهين نحو المسجد بروحانية صلاة التراويح، حين علقنا الزينة والأنوار، وتبادلنا صحن الطعام مع الجيران، وقضينا الليل مستمتعين بالزيارات، والسهرات الرمضانية.

يأتي رمضان كغيث بعد السحاب، ورشفة بعد العطش، وفرحة بعد الكدر، يهب علينا كنسائم هواء عليل، مطهر النفوس من كل غبار أسود، يمسح فوق قلوبنا أطنان التراب الذي كدسته الذنوب، يعيد إلينا براءة الأطفال، وفرحتهم بكل بسيط عبر الوجدان، يعيدنا إلى أروقة قراءة القرآن، والتمعن في كتاب الرحمن، يحقننا بحب الخير، ومساعدة الغير، يغرفنا وسط دموع الندم، والتضرع خوفا وخشية من الله، نتقرب في تلك الأيام من الله، نتذوق حلاوة الذكر والإستغفار، نلامس راحة البال، وطمأنة النفس، رمضان هو بلسم السنة، ودواء اللهث خلف الغرائز والأهواء.

يتجهز الجميع لهذا الشهر الكريم، بداية من البيوت إلى غاية القنوات التلفزيونية، فهي أيضًا تحشد كل ما تملكه من أموال تجهيزا لهذا الحدث، بين برامج دينية وأخرى سياسية، وصولًا إلى برامج الطبخ، والكاميرا الخفية التي تحصد عدد مشاهدات خيالية، يغامر المنتج بماله متيقنا بجني أضعافه من خلال المسلسلات الدرامية، فهو يعلم طبيعة الصائم، ويدرس إقباله المفرط على مشاهدة التلفاز، واجتماع العائلة خلال السهرات.

ظل الحياء يجمعنا حول طاولة المتعة منذ كان للتلفاز قناة واحدة وزر واحد بيد الأب، فكان الكل خاضعًا لسلطة البرنامج الوحيد، رغم غياب التنوع والاختلاف إلا أن الاحترام كان سيد الأذواق، فالبنت لن تدير وجهها، ولا الابن سيعتذر مغادرًا الغرفة، رغم رداءة الصورة، وتكرر السيناريوهات، إلا أن أخلاق القائمين على أي عمل تلفزيوني رمضاني كان واضحة من خلال ظهوره، فاللباس لم يكن خادشًا للحشمة، والكلام كان مهذبًا في عمومه.

منذ سنوات استعمرتنا ثقافة من الأعنف؟ فالبرامج التي يغزوه التكسير، والتحطيم، الضرب، والتعنيف هي التي ستحقق نسبة مشاهدة عالية، هذا ما خلص إليه العاكفون عن إنتاج البرامج، فأصبحت الفنانة التي تحطم الأرقام القياسية في تكسير الديكور هي نجمة الشباك لرمضان القادم، والأعلى أجرًا، ثقافة العنف التي كسرت ظهر الباحثين والمختصين بحثًا عن أسبابها وطرق علاجها صنعها الإعلام وروج لها أشباه القائمين عليه، فالمشاهد اليوم في دور الملتقط، وكل ما يراه سيطبقه في الواقع فور توفر الظروف والمناخ.

دخل علينا في هذا الشهر الكريم جنس آخر من الفنانين، لم يكن مسموحًا له الظهور خلف الكاميرا، فما بالك بحضوره كضيف وأي ضيف أنه فنان أو فنانة الملاهي، هذا النوع الذي ظل حكرًا على رقعة جغرافية واحدة يذهب لها نوعية من الشباب، لتقدم فنًا هابطًا، وكلامًا بذيئًا، لم تكن تشكل خطرًا عن المجتمع، ما دام الذاهب لها من المعجبين بها، لكنها وللأسف الشديد رمت بشباكها إلى أن دخلت علينا البيوت، فأصبح المشاهد مجبرًا على رؤيتها وسمعها والبحث في تاريخها، بكل ما تحمله من كلام سوقي، وألفاظ خادشة للحياء لا يمكن للفرد أن يرددها بينه وبين نفسه فما بالك بجمع عائلي.

شهر رمضان شهر روحاني فلماذا يصر الإعلام على جعله شهر تجارة وأرباح؟ الخاسر فيها نحن، نهدر الساعات لعبًا ولهوًا، ويمضي الشهر بسرعة البرق، لا نكمل فيها ختم القرآن، ولا نعتق من النار، تصوم البطون، وتفطر الحواس في وضح النهار، يجف الحلق، ونغرق العين بما لا ينفع، تسمع الأذن ما لا يسمع، لينتهي شهر الرحمة ونكتشف أننا كنا صك بمبلغ ضخم في جيب فنان، ورأس مال شركة في البنك، ضحية لكل الكاميرات الخفية التي تبث، أرقام في خانة المشاهدات، درع بيد فنانة في المهرجان وجمهور صفق الآن، وسيبكي حين يرى صحيفته فارغة يوم الحساب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد